الجزائر: قرار الضرورة..

في لحظة فارقة من تاريخ المنطقة، وأمام التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بإقليم الساحل الإفريقي، تتجلى حكمة الدولة الجزائرية ورزانتها السياسية والعسكرية. لقد شكلت مصادقة أعضاء مجلس الأمة ونواب المجلس الشعبي الوطني بأغلبية مطلقة على الإخطار الموجه من طرف السيد رئيس الجمهورية، والخاص بعملية إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى خارج الوطن نحو جمهورية النيجر الشقيقة، محطة مفصلية تثبت أن الجزائر تدرك تماماً متطلبات الرهان الراهن، وتتحرك بوعي استراتيجي لحماية أمنها القومي واستقرار جوارها المباشر.

إن هذا القرار، وإن كان سابقة في مسار تفعيل التعديلات الدستورية الأخيرة التي تسمح بمشاركة الجيش في مهمات حفظ السلام والدعم خارج الحدود الوطنية بموافقة البرلمان، يمثل قرار ضرورة وخطوة شجاعة في الاتجاه الصحيح بكل المقاييس.

خيار الضرورة في مواجهة مشكلات الساحل

لم يكن هذا القرار وليد صدفة أو نزوة تمدد خارجي، بل جاء استجابة لمقتضيات أمنية جادة فرضتها التحولات الخطيرة على طول الحدود الجنوبية الشاسعة:

  1. تفاقم التهديدات العابرة للحدود: إن منطقة الساحل أضحت مرعاً مفتوحاً للجماعات الإرهابية المسلحة، وشبكات الجريمة المنظمة، والاتجار بالأسلحة والبشر. وترك فراغ أمني في دولة جارة ومحورية كالنيجر كان سيعرض الشريط الحدودي الجزائري لضغوط هائلة لا يمكن التعاطي معها بسلبية أو سكون.
  2. سد الطريق أمام التدخلات الأجنبية: لطالما كان الطرح الجزائري الثابت يقوم على مبدأ “حلول إفريقية للمشاكل الإفريقية”. ومن هذا المنطلق، فإن التواجد الميداني والداعم للجيش الوطني الشعبي يسهم في إغلاق المنافذ أمام القوى الأجنبية والأجندات المشبوهة التي تسعى لتدويل أزمات المنطقة وتحويل الساحل إلى ساحة صراع نفوذ عالمي.

شجاعة الموقف والتفاف المؤسسات التشريعية

إن مصادقة نواب الشعب في الغرفتين (المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة) بالأغلبية المطلقة تعكس حالة من التلاحم والتوافق الوطني الشامل حول الخيارات الاستراتيجية لرئاسة الجمهورية والقيادة العليا للجيش.

هذا الإجماع البرلماني يرسل رسالة صريحة للداخل والخارج مفادها أن العقيدة العسكرية والأمنية للجزائر ناضجة، ومحاطة بشرعية شعبية ودستورية كاملة. إنها خطوة تمنح وحدات المؤسسة العسكرية غطاءً سياسياً ومعنوياً متيناً لأداء مهمتها النبيلة في دعم الشقيقة النيجر، وهي مهمة ترتكز بالأساس على استعادة التوازن، واستتباب الأمن، وحماية المدنيين، ومكافحة ركائز الإرهاب.

النيجر والجزائر.. مصير مشترك وعمق استراتيجي

تدرك الجزائر بحسها التاريخي والدبلوماسي أن أمن النيجر هو جزء لا يتجزأ من أمنها القومي. فالعلاقات الأخوية والتاريخية التي تجمع البلدين، إلى جانب الروابط الجغرافية والاجتماعية الممتدة، تجعل من مساندة النيجر في محنتها واجباً جيراناً واستثماراً مباشراً في الاستقرار الإقليمي.

إن انتشار الجيش الوطني الشعبي وفق أطر قانونية ودستورية، وبناءً على التنسيق والاتفاق، يعزز مكانة الجزائر كقوة إقليمية صانعة للسلام وحامية للاستقرار، لا بصفتها طرفاً في النزاعات، بل بصفتها سنداً وفياً لجيرانها وحصناً مانعاً ضد انزلاق المنطقة نحو الفوضى الشاملة.

لقد أثبتت الجزائر، من خلال هذا القرار الشجاع والمستنير، أنها لا تكتفي ببيانات التنديد أو الدعوات النظرية للحلول السلمية، بل تملك الإرادة السياسية والجاهزية العسكرية للتدخل الفعال والمسؤول عندما تتطلب الضرورة القصوى ذلك.

إنها خطوة سديدة تؤكد أن المؤسسة العسكرية الوطنية، سليلة جيش التحرير، تظل دائماً اليد الضاربة لحماية الحِمى، والسند الأخوي الأمين للأشقاء، والرقام الصعب في معادلة الأمن والاستقرار في إفريقيا برمتها.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك