اسكت .. لا يجب عليك تقدم أبداً شروحاً لأحد
ليلى زهيري
في زحمة العلاقات البشرية، وتقلبات المزاج العام، والصراعات الصامتة بين البشر، يقترف الكثير منا خطأً فادحاً يستهلك طاقته ويستنزف هيبته؛ ألا وهو الغرق في فخ “تقديم التبريرات والشروح المستمرة” لكل تصرف، أو موقف، أو قرار شخصي. نظن بوهم سذاجتنا أننا إذا وضحنا النوايا وأقمنا الحجج، سننال رضى الجميع أو نزيل سوء الفهم العالق. لكن الحكمة البليغة تختصر الواقع بمرارة صادقة: “لا تقدم أبداً شروحاً لأحد.. أصدقاؤك الحقيقيون ليسوا بحاجة إليها، وأعداؤك لن يصدقوها”.
وهْم إرضاء الجميع: لماذا نُبرر أفعالنا؟
تنمو رغبة التبرير داخل النفس البشرية نتيجة تربية اجتماعية خاطئة تُحمل الفرد عبء إرضاء الآخرين، وتشعره بالذنب إن لم يكن كتاباً مفتوحاً يقرؤه القاصي والداني. فنرى الشخص ينفق الساعات الطويلة في شرح أسباب قراراته، وتبرير خياراته المهنية أو الشخصية، وتفسير لماذا غاب، ولماذا فعل كذا، ولم يفعل كذا.
لكننا نغفل عن حقيقة نفسية قاسية: أن الإنسان الذي يحبك ويفهم نقاء سريرتك لا يحتاج إلى تبرير، والذي يضمر لك العداوة أو الحسد لن يقبل منك أي تفسير ولو جاء بألف دليل وبرهان.
الصنف الأول: الصديق الحقيقي (لا يحتاج لشرح)
الأصدقاء الحقيقيون هم عملة نادرة في سوق العلاقات الإنسانية. إنهم أولئك الذين يعرفون معادنك، ويقرؤون ما بين السطور، ويثقون بنواياك الطيبة قبل أن تنطق شفتاك بحرف.
- حين تتأخر في الرد، يلتمسون لك العذر.
- حين تغيب، يدركون أن ظروف الحياة أثقلتك لا جفوتهم.
- حين تتخذ قراراً يبدو غريباً، يفترضون بحسن ظنهم أن خلفه حكمة لا يعلمونها.
مع هؤلاء، يصبح الشرح والتبرير عبثاً ثقيلاً، بل وربما إهانة لتلك الثقة المتبادلة التي بنيتموها عبر السنين. الصديق الحقيقي يكتفي بوجودك، ولا يبتزك عاطفياً بطلب كشوفات حساب عن كل تصرف صدر منك.
الصنف الثاني: العدو أو المتربص (لن يصدقك أبداً)
على الطرف المقابل، يقف الخصوم، والمنافسون، والنفوس المريضة التي تراقب خطواتك لا لتفهمك، بل لتبحث عن ثغرة تصطادك منها. مع هذا الصنف، تصبح محاولات الشرح والتبرير مذلة مجانية.
- لو قدمت أدلة قطعية على براءتك أو صحة موقفك، سيتهمونك بفبركتها.
- لو أسهبت في توضيح دوافعك النبيلة، سيفسرونها على أنها “دفاع عن النفس يثبت التهمة”. الخصم لا يبحث عن الحقيقة؛ بل يبحث عما يدعم حقده المسبق تجاهك. ومن ثم، فإن منحهم مادة للشرح هو إعطاؤهم سلطة إضافية للتحكم بأعصابك واستنزاف هيبتك.
هيبة الصمت: استراتيجية الكبار
إن التوقف عن تقديم الشروح لا يعني التعالي أو الغطرسة، بل هو ارتقاء نفسى نحو “هيبة الصمت”. فالإنسان الواثق من خطواته، المدرك لقيمته، لا يضيع وقته في ترميم صورته لدى من عقد العزم على تشويهها.
دع أفعالك، ونتائج نجاحك، ومبدأك الثابت تتحدث عنك. فالزمن كفيل بإسقاط الأقنعة وتجلية الحقائق دون أن تبذل حرفاً واحداً في الدفاع عن نفسك. وكما قال الواصفون قديماً: “لا تبرر للمسيء إجادتك، فمن لم يرى النور في عينيك لن تنفعه كل مشاعل الدنيا”.
خاتمة:
عش حياتك خفيفاً، محارباً للثرثرة الدفاعية، واحتفظ بشروحك لنفسك وحدك. امنح ولاءك لمن يستحقون فهمك دون كلام، وأدر ظهرك بثقة لكل من ينتظر منك تبريراً لا يستحقه. فالحياة أقصى من أن نضيّعها في إقناع الجاحدين وتفسير الواضحات!


إرسال التعليق