اخر الاخبار

جريمة التحرش بالنساء في القانون الجزائري .. عقوبات التحرش بالنساء

ليلى بلدي

شهد المنظور القانوني والتشريعي في الجزائري تطورات متلاحقة وحاسمة فيما يتعلق بجرائم الاعتداء على الحريات الشخصية والجسدية للنساء، وفي مقدمتها جريمة التحرش الجنسي. ولم تعد النصوص الجزائية تقتصر على معاقبة صور الاعتداء الكلاسيكية، بل امتدت لتطويق كل السلوكات والمضايقات التي تستهدف المرأة في الفضاءات العامة، أو أماكن العمل، أو عبر وسائط الاتصال الحديثة، اعتباراً بأن التحرش لم يعد مجرد جنحة عابرة بل آفة تهدد السلم الاجتماعي واستقرار الفضاء العام.

أولاً: الإطار القانوني لجريمة التحرش في قانون العقوبات الجزائري

كرّس المشرّع الجزائري الحماية القانونية الصارمة للمرأة من خلال المادة 341 مكرر من قانون العقوبات، والتي تم تعديلها وتوسيع نطاقها لتشمل كافة صور المضايقات، سواء كانت في محيط العمل أو خارجه.

يُعرّف القانون التحرش الجنسي بوصفه: كل إمعان في مضايقة الغير باستخدام أوامر، تهديدات، إكراه، أو ممارسة ضغوط ذات طبيعة جنسية، بقصد إجبار الضحية على الاستجابة لتلك الرغبات، سواء بالقول أو الفعل أو الإشارة.

ثانياً: العقوبات المقررة قانوناً

تتدرج العقوبات الصادرة بحق مرتكبي جرائم التحرش استناداً إلى طبيعة الظروف المحيطة بالواقعة، وصفة الجاني، ونطاق ارتكاب الفعل:

  1. العقوبة الأساسية في الظروف العادية:يُعاقب مرتكب جريمة التحرش الجنسي بالحبس لمدة تتراوح غالباً بين سنة (1) إلى ثلاث (3) سنوات، وبغرامة مالية معتبرة. وقد شدد المشرّع العقوبات في التعديلات المتعاقبة لضمان ردع حقيقي لكل تسول له نفسه المساس بكرامة النساء وحرياتهن.
  2. تشديد العقوبة في حالات الاستغلال المهني أو السلطة:ترتفع حدة العقوبة بشكل ملحوظ إذا ارتكب الجريمة شخص يتمتع بسلطة على الضحية (كأن يكون رئيسه في العمل، مُشغّلاً، أو صاحب نفوذ مهني أو إداري)، حيث يستغل الجاني حاجتها للمنصب أو الترقيات لمساومتها، مما يجعل العقوبة أشد قسوة نظراً لاستغلال صفة الوظيفة.
  3. الظروف المشددة (العود والصفة):تتضاعف العقوبات في حالة العود (تكرار الجريمة)، أو إذا وقع الفعل على قاصر، أو استغل الجاني حالة ضعف بدني أو نفسي للضحية.

ثالثاً: شمولية التجريم (الشارع، العمل، والوسائط الرقمية)

من أهم ما استقر عليه الفقه القضائي والتطبيقات القانونية المعاصرة في الجزائر هو التأكيد على أن التحرش جريمة لا يقيّدها مكان. فهي لا تقتصر حصراً على بيئة العمل المغلقة (كما كان مفهومها الضيق سابقاً)، بل تشمل:

  • الفضاء العام:الشوارع، وسائل النقل الجماعية، والأماكن المفتوحة.
  • الوسائط الرقمية والتكنولوجية: التحرش عبر منصات التواصل الاجتماعي، الرسائل النصية، أو الاتصالات الهاتفية المتكررة ذات الطابع الجنسي المرفوض.

رابعاً: الابعاد الاجتماعية والنفسية للردع القانوني

إن الصارم في النصوص القانونية الجزائرية يعكس إدراكاً عميقاً لكون التحرش فعلاً تدميرياً يخلف عواقب نفسية بالغة الخطورة على الضحية، تصل أحياناً إلى حد العزلة الاجتماعية أو القهر المهني. ومع ذلك، يشدد رجال القانون دائماً على أهمية ثقافة التبليغ وكسر حاجز الصمت، باعتبار أن الشكوى القانونية المدعومة بالأدلة والشهود أو القرائن التقنية هي الحصن الأول لتفعيل الردع ومنع إفلات الجناة من العقاب، لتظل النظم القانونية درعاً حصيناً يحمي حرية المرأة وكرامتها في مسيرتها اليومية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك