التنسيق الأمني مع الاحتلال حتى ابتلاع كل أرض فلسطين!!

تكاد تخنقني العبرات والأسى لما أراه وأسمع عنه في وسائل الإعلام المرئي والمقروء والمسموع عما يجري داخل مدن وقرى الضفة من تجاوزات وانتهاكات لقوات الاحتلال الصهيوني ووحشية ممارسات قطعان مستوطنيهم، في ظل صمت مريب كصمت من في القبور للسلطة الفلسطينية غير آبهة بما يجري من حولها ولشعبها الصابر المرابط!!

بينما تنقض قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين كذئاب جائعة مفترسة على حوارة، وجنين، وطولكرم، والبلدة القديمة في الخليل، فتحرق الشجر، وتهدم الحجر، وتسفك دماء الشباب والنساء، يقف رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس متفرجاً، أو بالأحرى متشبثاً بحبل “التنسيق الأمني” الذليل والذي وصفه يوما بـ (المقدس!!) وكأنه طوق النجاة الوحيد له ولحاشيته!!.

إن ما يجري في الضفة اليوم والأمس ليس مجرد انتهاكات جسيمة، بل هي حرب إبادة وتطهير عرقية صامتة وممنهجة، تُمارس تحت عين وعلم قوات أمن فلسطينية تقف متفرجة غير آبهة، بل أصبحت مهمتها بالأحرى كتم أنفاس شبان الانتفاضة والحَجْرِ عليهم وزجهم في معتقلاتها وسجونها إرضاءً للاحتلال وتطبيقاً لمبدأ التنسيق الأمني (المقدس)!!!، فأي مفارقة تاريخية سوداء هذه بربكم والتي تَحَوّل فيها “حماة الوطن” إلى حراس لجلاديهم، فانطبق على حالهم قوله تعالى في سورة هود، الآية 113: “وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ”!!.

والكلام موجه الى محمود عباس تحديدا، وأقول له بملء فمي:

الآن أدركتُ، كما أدرك غيري، ِلمَ أبقاك الاحتلال حيّاً، فيما تم القضاء على قيادات فتح التاريخية كصلاح خلف (أبو إياد)، وخليل الوزير (أبو جهاد)، وهايل عبد الحميد (أبو الهول) وغيرهم، فلو كنت شريفاً وطنياً حريصا على قضيتك وشعبك لكان الاحتلال الصهيوني قد أنهى حياتك تماما كما أنهى حياة قادة فتح التاريخيين الشرفاء المذكورين آنفا، فما أبقاك الاحتلال الصهيوني ورعاك أنت وشلة المنتفعين من سلطتك المهلهلة مثل حسين الشيخ، ومحمود الهباش، وغيرهم وغيرهم من المنتفعين إلا لإنجاز الاحتلال لمشروعه التوسعي وتحقيق نبوءات أسفارهم من خلال ابتلاع ما تبقى من أراضي مدن وقرى الضفة التي وقعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية في مصيدة وفخ أوسلو فخدعت أبناء شعب فلسطين على أنها ستكون نواة للدولة الفلسطينية المرتقبة!!

واسترسل بتوجيه الكلام الى محمود عباس، وأقول له:

لم تكن أوسلو إلا فخاً وقعت فيه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية لتحقيق أهداف الكيان الإسرائيلي وعلى مراحل وتحت أنظاركم!!، حيث تم تفكيك القضية وتحويلها من حركة تحرر وطني إلى مجرد بلدية كبرى تدير شؤون السكان، بينما يلتهم الاستيطان ما تبقى من الأرض، وبذا تكون السلطة الفلسطينية منتهية الصلاحية!!

تُشير القراءات السياسية والميدانية داخل الكيان الإسرائيلي إلى تحوّل جذري في التعاطي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية، حيث تتصاعد المؤشرات التي تدل على أن الكيان الإسرائيلي  بدأ يتعامل مع هذه الحقبة بوصفها “منتهية الصلاحية الوظيفية”، ولم تعد الرؤية الإسرائيلية محصورة في التنسيق الأمني التقليدي، بل انتقلت نحو التهيئة لمرحلة ما بعد عباس عبر استراتيجيات الضم وتفكيك الصلاحيات، ويمكن رصد أبرز هذه المؤشرات من خلال السياسات والقرارات التالية:

أولا: الخطاب السياسي العلني وتجاوز “حل الدولتين”، المتمثل بما يلي:

1- دعوات التفكيك المباشر: لم تعد المطالبة بإنهاء السلطة تقتصر على غرف النقاش المغلقة؛ بل إن وزراء بارزين مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير يطالبون علناً وبشكل متكرر بتفكيك السلطة ونزع سلاحها بالكامل.

2- الإجماع البرلماني ضد الدولة الفلسطينية: حيث صوّت الكنيست الإسرائيلي بأغلبية ساحقة (68 عضواً مقابل 9) على قرار مبدئي يرفض تماماً إقامة دولة فلسطينية، مما يعني سياسياً إسقاط أي أفق تفاوضي كانت السلطة الفلسطينية برئاسة عباس تسعى للحفاظ عليه!!.

ثانيا: الحصار المالي وتقويض القدرة على الحكم وإدارته، وذلك من خلال:

1- احتجاز أموال المقاصة: تستخدم إسرائيل أموال الضرائب الفلسطينية (المقاصة) كأداة ضغط مستمرة، عبر اقتطاع أجزاء كبيرة منها وتجميدها، هذا الإجراء أدى إلى عجز السلطة عن الإيفاء بالتزاماتها المالية ودفع رواتب موظفيها، مما أضعف هيبتها وقدرتها الإدارية أمام الشارع الفلسطيني!!.

2- إلغاء التقسيمات الجغرافية (أ، ب، ج): أعلن سموتريتش أن الحكومة تعمل ميدانياً على إسقاط التقسيمات التي أقرتها اتفاقية أوسلو، من خلال توسيع الاقتحامات العسكرية المباشرة لعمق المدن المصنفة “أ” (الخاضعة سيادياً للسلطة) وإلغاء أي خصوصية إدارية لها.

ثالثا: إقصاء السلطة عن ترتيبات “اليوم التالي” في غزة، وتمثل ذلك من خلال أعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو صراحةً عن رفضه القاطع لأي دور للسلطة الفلسطينية الحالية في إدارة قطاع غزة، كما وتجاهل شروط المجتمع الدولي وضغوطه لربط غزة بالضفة تحت قيادة “سلطة متجددة”، فيما تُصر القيادة الإسرائيلية على صياغة ترتيبات محلية وعشائرية معزولة لتجنب منح محمود عباس أي إنجاز سياسي!!.

رابعا: استغلال أزمة الشرعية والتأجيل المستمر للانتخابات، والتذرع بالجمود الديمقراطي الفلسطيني، حيث تستغل النخب السياسية والإعلامية الإسرائيلية المراسيم المتكررة الصادرة عن محمود عباس لتأجيل الانتخابات (آخرها إرجاء الانتخابات التشريعية إلى سبتمبر 2027)، وراح الكيان الإسرائيلي يروج لهذه التأجيلات كدليل على غياب الشرعية الشعبية لعباس، الذي انتهت ولايته الدستورية الأساسية منذ عام 2009، وذلك لتبرير عدم جدوى التعامل معه كشريك يمثل الفلسطينيين!!.

خامسا: تعزيز الاستيطان وفرض “السيادة” الميدانية، من خلال إنهاء فكرة الشريك الدبلوماسي، حيث يتبنى اليمين الإسرائيلي الحاكم استراتيجية “الضم الفعلي” للضفة الغربية، ويرى قادة الاستيطان أن وجود السلطة الفلسطينية أصبح عبئاً يعيق التوسع الاستيطاني الكامل، وبالتالي يسعون لتحويل دورها من كيان سياسي تمهيدي لدولة إلى مجرد “بلديات موسعة” لإدارة الشؤون الحياتية للسكان دون أي سيادة!!.

وبعد هذه المؤشرات التي سقتها آنفا الى المتشبث بـ(التنسيق الأمني) محمود عباس، وأضيف له من الشعر بيتا آخر كما يقال بالأمثال لتتضح الصورة أمام ناظريه، وما يؤكد نهج الاحتلال الإسرائيلي وإصراره على نفاد صلاحية سلطتك الفلسطينية، ما أصدره وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير صراحة يوم أمس (الجمعة، 23 أكتوبر 2026 ) دونما خجل أو حياء منك (باعتبار أن تصريحه ذاك يستهدف سلطتك ويجردك من امتيازاتك ووجاهتك)، دعوته إلى تفكيك السلطة الفلسطينية التي تترأسها، وإلى نزع سلاحها (الذي لم يستخدم يوما ما لمواجهة اعتداءات قوات الاحتلال وقطعان مستوطنيه على مواطنيك، بل لردع النشطاء الفلسطينيين الرافضين للاحتلال!!)، أقول متى بالله عليك ستدرك أن مدة نفاد صلاحيتك وصلاحية سلطتك الفلسطينية المهلهلة بالنسبة للكيان الإسرائيلي قد انتهت فعلا وأنهم بصدد ضم كل مدن وقرى الضفة إلى كيانهم المسخ!!؟

لا غرابة في أنك لم تقرأ أو تسمع تصريحات بن غفير آنفة الذكر، بالرغم من أنه أطلقها عبر الاعلام ومن موقع قرب مدينة الخليل التي لا تبعد عن عاصمة سلطتك رام الله الا بضع عشرات الكيلومترات، وخير ما ينطبق عليك كونك لا تقرأ ولا تسمع فلا تنطق، ما ورد في الآية الكريمة 46 من سورة الحج، فهي لعمري كفيلة بشرح حالة غفلتك وصمتك وعدم مبالاتك بكل ما يجري من حولك في مدن الضفة وقراها، حيث قال تعالى: ” أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ”!!

وأعود الى محمود عباس (سيد التنسيق الأمني المقدس) فأقول له:

ألا يكفيك الخزي والعار الذي صنعته بحياتك فخذلت فلسطين وأهلها، فقررت في أواخر أيام حياتك أن تلمع اسم ابنك ياسر (الذي ظل بعيدا ولعقود عن العمل التنظيمي والسياسي لفتح منشغلا بإدارة شركاته واستثماراته)، فرتبت له الأوضاع وجعلته عضوا في الهيئة القيادية لحركة فتح مباشرة بعد فوزه في انتخابات المؤتمر العام الثامن في حزيران / يونيو 2026، تمهيدا له ليكون رئيسا للسلطة الفلسطينية من بعدك، كي تضمن أن يسير على نهج عار أبيه ومسلسل تنازلاته وانبطاحه للاحتلال الإسرائيلي، فتحولت بذلك السلطة الفلسطينية إلى تركة عائلية تضمن استمرار نهج العار والشنار على حساب دماء الشهداء وعذابات الأسرى!؟

ولكن … تذكر يا سيادة الرئيس، إن رحلة عمرك قد قاربت على خط النهاية، فقد بلغت التسعين، ولم يعد في القوس منزع، ولم يعد في العمر بقية للمناورة السياسية أو لبيع الأوهام في ردهات الأمم المتحدة، وصدق الله العظيم إذ يقول في سورة النازعات: “فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(39)”، فالأيام تمضي سريعة، وكرسي السلطة والنفوذ الذي تتشبث به لن يرافقك إلى محطتك الأخيرة، والعجب كل العجب أن مفتيك ومستشارك الديني ووزير أوقافك المدعو محمود الهباش لم ينبهك لخطورة ما أنت مقدم عليه ولعواقب هذه الآية تحديدا!!.

تذكر جيداً أن رحلة الدنيا التي أنت فيها الآن، مهما طالت وعظمت فيها مناصبك وألقابك، وتتبجح بمن يتزلف لك، فإنها والله وبالله وتالله سينتهي مآلك يوما ما إلى حفرة ضيقة مظلمة، حيث لا تملك هناك سلطة ولا جاها ولا حراسات ولا تنسيقاً أمنياً يحميك، بل ستستقر وحيداً في القبر لتلقى “منكراً ونكيراً”، ليسألانك عن الدماء التي سُفكت بعهدك وأنت صامت، وعن الأرض التي ضاعت حينها فيما كنت تُنسق، وعن شعبك الذي تُرك لقمة سائغة للمستوطنين بينما كنت تبحث عن سلام موهوم مع قاتليك ومغتصبي أرضك، وسيلعنك أبناء فلسطين حتى قيام الساعة، وسيكتبون سيرتك الشائنة، وسينعتونك بأبشع العبارات وأحطها وبما يليق وما جنيته على فلسطين وأبنائها المرابطين الصابرين المحتسبين طيلة حياتك!!.

أبا مازن … لطالما حذرتك ونصحتك بشكل مباشر من خلال جهاد الكلمة الذي أتقنه وأتبناه، المتمثل بعدة مقالات نشرتها في مواقع الكترونية عربية رصينة، منبها إياك من مغبة عنادك ومراهنتك على الكيان الإسرائيلي والانصياع التام لإملاءاته، ووجهت لك مقالا في أحداها للتدبر بعنوان“اللهم حُسْن الختام يا محمود عباس !!” والذي نشر بتاريخ 4 شباط / فبراير 2025، إلا أنك للأسف الشديد لم ترعو، وبقيت على ضلالك وكِبْرِك وتمسكك بتنسيقك الأمني الذي تصفه تبجحا (المقدس)!!.   

لقد حان الوقت لتصحو في آخر سنوات عمرك وقبل فوات الأوان من غيبوبة المراهنة على الاحتلال والانبطاح له، فالتاريخ أيها الرجل العجوز لا يرحم، والآخرة أشد وأبقى!!.

يقول الله تعالى في سورة الكهف: “قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا(103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(104)”

سماك العبوشي

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك