الإصلاح يبدأ من الخزينة لا من الجيب!
سعد احمد الكبيسي
لو أُنيطت بكَ مهمّة الإصلاح، فمن أين ستبدأ؟!ليس السؤال لحكومةٍ بعينها، بل لكلِّ من سيجلس على كرسيّ القرار في هذا البلد، اليوم أو غدًا.
الدولة التي تعيش على برميل النفط وحده دولةٌ تمشي على ساقٍ واحدة؛ يكفي أن يهبط سعره حتى تترنّح الموازنة، وتتأخّر الرواتب، ويُفتَّش في جيب المواطن عن ضريبةٍ جديدة أو رسمٍ مستحدث! وهذا هو الطريق الأسهل والأظلم معًا، فالمواطن ليس مصرفًا احتياطيًّا تسحب منه الحكومة كلّما أخطأت في الحساب.
ابدأ من حيث يتسرّب المال لا من حيث يُجمَع: من الدرجات الخاصة التي تضخّمت، والمخصّصات والامتيازات التي صارت حقًّا مكتسبًا لا حاجةً فعلية، ومن الوزارات والهيئات المتداخلة التي تؤدي ثلاثٌ منها عمل واحدة، ومن المنافذ الحدودية والجمارك التي تُجبى عائداتها ثم تضيع قبل أن تبلغ الخزينة، ومن المشاريع المتلكّئة التي تُصرف أموالها ولا يُرى منها حجر!
ثم انظر إلى الجهاز الإداري؛ فالترهّل الوظيفي ليس رحمةً بالناس، بل بطالةٌ مقنَّعة تأكل الموازنة التشغيلية وتترك الاستثمارية جائعة. والدولة التي تنفق جُلَّ مالها على الرواتب لا يبقى لها ما تبني به مصنعًا أو تُحيي به أرضًا.
واجعل الحوكمة الإلكترونية سدًّا بين الموظّف والمال، فكلُّ معاملةٍ تمرّ بيدٍ بشريّة بابٌ مفتوح للرشوة، وكلُّ دينارٍ يُدفع إلكترونيًّا دينارٌ معروفٌ طريقه. ولا تقترض لتدفع الرواتب، فالدَّين الذي لا يُبنى به مشروعٌ يُسدِّده الأبناء دون أن يروا منه شيئًا!
وأمّا الاقتصاد فلا يُصلحه التوزيع بل الإنتاج: صناعةٌ وطنية تُحمى من الإغراق، وزراعةٌ تُدعَم فلا يستورد بلدُ الرافدين خضرته، وقطاعٌ خاص يُفتح له الباب لا تُغلق دونه الإجراءات، ومصارف تُقرض المنتِج ولا تكتفي ببيع الدولار، وإيراداتٌ غير نفطية تجعل الموازنة تقف على أكثر من ساق.
وقد قرّر ابن خلدون في مقدّمته أنّ الظلم مُؤذِنٌ بخراب العمران، ومن أوضح الظلم أن تُرمَّم أخطاء الإدارة من قوت البسطاء.
فإن أردتَ أن يثق بك الناس، فلتكن أولى قراراتك على الدولة لا عليهم، ولتكن خططك للعقد القادم لا للأسبوع القادم؛ فالأمم لا تنهض بكثرة الإنفاق بل بكثرة الإنتاج، ولا بتضخّم الجهاز بل بكفاءته!


إرسال التعليق