إسرائيل تعمل وفق إستراتيجية ثابتة، فما هي الإستراتيجية الفلسطينية؟

إبراهيم أبراش

تصرفات إسرائيل في الضفة وغزة -سواء أتعلق الأمر بالاستيطان، أم بالتعامل
مع السلطة الفلسطينية، أم بالحرب على غزة بذريعة الرد على (طوفان
الأقصى)، أم بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة ومخيمات الضفة، أم بما يجرى
في مدينة الخليل رداً على العملية التي قام بها فلسطينيان ضد جيش
الاحتلال يوم أمس 23 أكتوبر، وصولاً إلى منع قوائم عربية تمثل فلسطينيي
الداخل من المشاركة في الانتخابات الإسرائيلية، وكذا كل مستوطنة أو بؤرة
استيطانية تقام، أو حاجز يتم نصبه في الضفة إلخ…- كل هذا لا يأتي
لاعتبارات أمنية ولحماية اليهود من عمليات عسكرية متوقعة يقوم بها
الفلسطينيون أو قاموا بها كما يزعم العدو، بل ينطلق من إستراتيجية ثابتة
هدفها قيام دولة يهودية ما بين البحر والنهر، ورفض قيام دولة فلسطينية
على أي جزء من أرض فلسطين، وهو ما لم يعد يخفيه قادة العدو. وهي
إستراتيجية مدعومة بمراكز أبحاث، ومنصات إعلامية، وجمهور إسرائيلي يميني
متطرف، ولن تتغير حتى وإن تغيرت حكومة نتنياهو.

هذه الإستراتيجية ليست حديثة العهد، بل هي أساس المشروع الصهيوني منذ
بدايته. وكل الأدبيات السياسية والتاريخية، وحتى أدبيات فصائل المقاومة
الفلسطينية، كانت تصف إسرائيل بأنها كيان استعماري استيطاني إحلالي؛
بمعنى أنه ليس مجرد استعمار تقليدي -كما حدث في كثير من دول العالم
الثالث- يسعى لاستغلال خيرات البلاد دون ادعاء ملكيتها، بل إن الحركة
الصهيونية تنفي وجود الشعب الأصلي (الشعب الفلسطيني)؛ حيث زعمت أن فلسطين
أرض بلا شعب ويجب أن تُعطى لشعب بلا أرض، مع أن وجود الشعب الفلسطيني على
أرض فلسطين متواصل طوال أكثر من أربعة آلاف سنة، وحتى التوراة اليهودية
تعترف بوجودهم؛ لذا عملت الحركة الصهيونية على الحلول محله بعد تهجيره من
أرضه.

كانت البداية بمشاريع الاستيطان الأولى برعاية وحماية جيش الانتداب
البريطاني، ثم حرب 48 حيث تم تهجير حوالي 80 بالمئة من
الفلسطينيين،وبعدها كان مخطط التهجير والتوطين في سيناء عام 1953 والذي
أفشله مظاهرات سكان القطاع عام 1955، وتواصل المخطط بحرب 67 باحتلال
الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وتوسيع مشاريع الاستيطان، وصولاً
إلى ما يجري اليوم في الضفة وقطاع غزة؛ بمعنى أن مشاريع تهجير
الفلسطينيين لم تظهر مع ترامب والحكومة اليمينية الإسرائيلية الحالية، بل
هي جوهر الحركة الصهيونية ودولة الكيان الصهيوني.

فما هي خطة وإستراتيجية العمل عند الفلسطينيين الخاضعين للاحتلال
والمستهدفين بالتهجير؟

قبل أن نتحدث عن الإستراتيجية الفلسطينية من منطلق أن الصراع الآن أصبح
فلسطينياً-إسرائيلياً وليس عربياً-إسرائيلياً -حتى مع وضوح الأهداف
الإسرائيلية بالتوسع في الدول العربية والوصول إلى «إسرائيل الكبرى» كما
عرضها نتنياهو في خرائط أمام العالم- فإنه لم تكن ولم توجد حتى الآن أي
إستراتيجية عربية لمواجهة هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني التوسعي.

وفلسطينياً، لا نبالغ إن قلنا إنه بعد فشل تسوية أوسلو وما ارتبط بها
ونتج عنها من وقائع على الأرض -مثل قيام السلطة الفلسطينية وما تواجهه من
تحديات وتقليص لصلاحياتها وحتى التشكيك فيها من أطراف فلسطينية، وتوسع
الاستيطان، وما يجري في قطاع غزة من دمار وموت ومسح لمعالمه الحضارية
وإخراجه عن سياقه الوطني، وغياب أي حراك عربي أو دولي لتسوية شاملة،
وحالة المراوحة في المكان بالنسبة لقرارات الأمم المتحدة التي لا يوجد
فيها أي قرار ملزم…- فإن المنظمة وكل القوى السياسية الفلسطينية تعمل
دون إستراتيجية عمل؛ لا بالنسبة للتعامل مع الأوضاع الداخلية وترتيب
البيت الفلسطيني، ولا بالنسبة لمواجهة العدو الذي لا يخفي أهدافه بتصفية
القضية الوطنية، ولا بالنسبة للتحرك الدولي.

قد يقول قائل إن هناك 160 دولة تعترف بالدولة الفلسطينية، وهناك تحولات
في الرأي العام العالمي، وحتى في مواقف دول غربية لصالح فلسطين مثل موقف
بريطانيا من منتوجات المستوطنات. صحيح؛ يوجد كل ذلك ولكنه لا يصلح لأن
يكون أو يشكل إستراتيجية ما دامت لا تترك أثراً على الأرض من حيث إنهاء
الاحتلال ووقف الاستيطان. فمثلاً، لم تستطع 160 دولة أن توقف الحرب على
غزة، ولا وقف المجاعة، ولا وقف الاستيطان، بل لم تستطع أن تسهل دخول
الرئيس أبو مازن لحضور اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بالرغم من
أنها تشكل أغلبية في هذه الجمعية. كما أن مواقف بعض الدول من الاستيطان،
كموقف بريطانيا ودول أخرى الذي يقتصر على الحد من استيراد منتوجات
المستوطنات أو فرض بعض العقوبات، يتجاهل أصل المشكلة وهو الاحتلال
والاستيطان نفسه الذي هو سياسة دولة وليس تصرف مستوطنين، كما أن تأثير
هذه القرارات التي جاءت بتأثير الرأي العام قد يتم التخلي عن بعضها إذا
تغير الرأي العام.

في علم السياسة والحياة السياسية، لا تقوم إدارة الشأن العام وخصوصا
بالنسبة لحركات التحرر الوطني على الارتجال وردود الفعل، ولا على
الارتهان للقدر ومشيئة الله، ولا على العواطف والمتغيرات الآنية في الرأي
العام، ولا على الزعم بأن الزمن يعمل لصالحنا بسبب التغيرات
الديموغرافية، ولا على قرارات دولية غير ملزمة؛ فالشعارات والمراهنة على
المستقبل أو التدخل السماوي ليست إستراتيجية عمل لمواجهة الخطر الوجودي
الذي يهدد القضية الوطنية، بل هي عمل عقلاني يقوم على إستراتيجيات عمل
لمواجهة الواقع وللمستقبل. وأهم مصدر قوة لهذه الإستراتيجيات هو وحدة
الشعب، ووحدانية القرار، ووجود خطة عمل ميدانية وليس فقط على الورق؛ وفي
غياب ذلك، سيُفتح المجال للقوى الخارجية للتدخل في الشؤون الداخلية،
ويُسمح للعدو بتحقيق أهدافه.

ونفس الأمر عند الفصائل المناهضة للمنظمة والسلطة الفلسطينية، وخصوصاً
حركة حماس؛ فقد مارست هذه الفصائل العمل المسلح دون إستراتيجية مقاومة،
بل بشكل ارتجالي ولتحقيق أهداف حزبية وفي إطار الصراع مع المنظمة وحركة
فتح، بحيث لم يكن هدف هذه الفصائل القضاء على إسرائيل بل على المنظمة
والحلول محلها. كما أن ارتباطها بجهات خارجية كالإخوان المسلمين وإيران
أعاق أي إمكانية للتوصل إلى إستراتيجية مقاومة وطنية.

وللأسف، لا توجد اليوم أي إستراتيجية فلسطينية يُجمع عليها الفلسطينيون
أو أغلبهم؛ لا إستراتيجية مقاومة مسلحة، ولا إستراتيجية مقاومة سلمية،
ولا إستراتيجية للسلام والتسوية السياسية، ولا إستراتيجية لإدارة وتدبير
شؤونهم الداخلية، وحتى تعزيز صمود الشعب على الأرض يحتاج إلى إستراتيجية
وطنية. فكيف لحركة تحرر وطني أن تعمل دون إستراتيجية للتحرير؟!

كل هذه التحولات الإيجابية في المواقف الدولية وفي الرأي العام التي
تراكمت طوال عقود، بالرغم من أهميتها حيث تُبقي القضية حاضرة دولياً،
فإنها لا تعادل ما يجري على الأرض في فلسطين وفي الشرق الأوسط من خطوات
عملية لتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير الفلسطينيين، وتغيير
جيواستراتيجية المنطقة بمشاركة واشنطن، كما لا تصلح لوحدها لأن تكون
إستراتيجية عمل وطني للفلسطينيين.

بالرغم من التفوق الإستراتيجي الإسرائيلي وسلبية الوضع الدولي والعربي
وما يجري على الأرض من هجمة صهيونية شاملة تحاول تصفية القضية والمشروع
الوطني الفلسطيني، إلا أنه علينا التذكير بأن المشروع الوطني الفلسطيني
لا يرتهن بموازين قوى عابرة ولا بعناوين ونخب سياسية تدعي تمثيله، بل هو
يستمد شرعيته ومبررات وجوده من حق تاريخي وقانوني لشعب تواجد في أرضه
لآلاف السنين وتم تعميده بدماء الشهداء وعذابات الأسرى، واستمرار تمسك
الشعب -الذي يفوق تعداده 16 مليون نسمة- بحقوقه الوطنية التي تدعمها
الشرعية الدولية،وهو يمثل الهوية والثقافة الوطنية والقرار الوطني الذي
لا يرتهن لأية أيديولوجية أو أجندة خارجية .

بالرغم من بؤس وفشل كل الأحزاب والعناوين التي تدعي تمثيل الشعب
الفلسطيني، إلا أنه لا يوجد أي من هذه العناوين استسلم للعدو ووقع على
تصفية القضية الفلسطينية، ولو كان ذلك قد حدث لما استمر الصراع قائماً
حتى اليوم، وما هددت إسرائيل بتصفية السلطة الفلسطينية والقضاء على
مقاومة الشعب الفلسطيني. وما زالت هناك فرصة وإمكانية لأن يستنهض الشعب
وحركاته السياسية مرتكزات المشروع الوطني ولو في حدود إنقاذ ما يمكن
إنقاذه، وأهم خطوة في هذا السياق هي إعادة بناء واستنهاض منظمة التحرير
الفلسطينية بميثاقها الوطني الأول 1968 لتستوعب الجميع في داخل فلسطين
وخارجها، كخطوة استباقية إستراتيجية في حال إقدام العدو على إنهاء وجود
السلطة الفلسطينية والقضاء على الفصائل والعناوين الفلسطينية المتواجدة
داخل الأراضي المحتلة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك