التسوّل العاطفي… حين تخفق التربية في بناء الإنسان

رشيد مصباح (فوزي)

يقول المثل: «قوة الإنسان في عقله، وقوة الحيوان في عضلاته». ولعل المقصود أن ما يميّز الإنسان ليس قوّته الجسدية وحدها، بل قدرته على التفكير، والتحكّم في انفعالاته، ومواجهة الصعوبات التي تعترض طريقه.

فالإنسان ليس كتلة من اللّحم ومجموعة من العضلات تؤدّي وظائف بيولوجية، بل هو كيان نفسي وعاطفي، يحتاج إلى تربية تساعده على فهم نفسه، وبناء شخصيته، والتعامل مع الآخرين دون أن يفقد استقلاليته أو كرامته.

غير أن الواقع يكشف لنا أن بعض الناس، رغم ما قد يمتلكونه من شهادات أو إمكانات أو مكانة اجتماعية، يظلّون عاجزين عن مواجهة الرفض أو تحمّل الخيبة، ويصبحون أسرى لحاجة مستمرّة إلى اهتمام الآخرين وتقديرهم. وقد يدفعهم ذلك إلى التنازل عن كرامتهم، أو ملاحقة من لا يرغب فيهم، أو استجداء مشاعر لا تُمنح بالإكراه.

هذه إحدى صور ما يُعرف بـ«التسوّل العاطفي»؛ حين لا يعود طلب الحب والاهتمام تعبيرًا طبيعيًا عن حاجة إنسانية، بل يتحوّل إلى تعلّق مفرط يجعل الإنسان يقيس قيمته بمقدار ما يمنحه الآخرون من اهتمام.

ولا يولد الإنسان بهذه الهشاشة بالضرورة، كما لا يمكن إرجاعها إلى سبب واحد. فقد تسهم فيها ظروف النشأة، والإهمال العاطفي، وضعف الثقة بالنفس، وتجارب الرفض، وغيرها من العوامل التي تتداخل في تشكيل الشخصية.

لكن السؤال الذي يستحق أن نطرحه هو: أين دور التربية في كل هذا؟

نحن نهتم بتعليم أبنائنا القراءة والكتابة والحساب، ونتابع نتائجهم المدرسية، ونفرح بنجاحهم في الامتحانات، ونطمح إلى حصولهم على الشهادات التي تضمن لهم مستقبلًا أفضل. لكن هل نمنحهم الاهتمام نفسه حين يتعلّق الأمر ببناء شخصياتهم؟ هل نعلّمهم كيف يواجهون الفشل، ويتقبّلون الرفض، ويتعاملون مع الخلاف، ويستعيدون توازنهم بعد الخيبات؟

قد يقضي الطفل سنوات طويلة في المدرسة، ثم يغادرها وهو يعرف الكثير عن المواد التي درسها، لكنه لا يعرف كيف يتعامل مع مشاعره، أو كيف يضع حدودًا في علاقاته، أو كيف يحافظ على احترامه لنفسه عندما لا يجد القبول الذي ينتظره من الآخرين.

أما الأسرة، فقد تحرص على توفير الطعام واللّباس والتعليم، وتغفل أن أبناءها يحتاجون أيضًا إلى الاحتواء والحوار، وإلى أن يتعلّموا الفرق بين الحب والتبعية، وبين التواضع وإهدار الكرامة، وبين الاعتراف بالحاجة الإنسانية وتحويلها إلى استجداء دائم.

ولا يعني ذلك أن على الإنسان أن يستغني عن الآخرين أو يخفي ضعفه عنهم. فالحاجة إلى الحب والتقدير أمر طبيعي، والاعتراف بالضعف ليس عيبًا. لكن هناك فرقًا بين إنسان يطلب المودّة ويحترم نفسه، وآخر يجعل وجوده وقيمته رهينين برضا شخص عنه، مهما كلّفه ذلك من تنازلات.

وتزداد المشكلة تعقيدًا في عصر أصبحت فيه المظاهر تحظى باهتمام كبير، وأصبح بعض الشباب يقيسون قيمتهم بما يملكونه، أو بما يظهرونه للآخرين، أو بمقدار الاهتمام الذي يحصدونه. وفي خضم هذا الانشغال، قد لا يجدون الوقت الكافي للتأمّل في ذواتهم وفهم احتياجاتهم الحقيقية، فضلًا عن أن المناهج التربوية لا تمنح التربية النفسية والعاطفية، في كثير من الأحيان، المكانة التي تستحقّها.

وحين يعجز الإنسان عن تفسير ما يحدث في داخله، قد يلجأ إلى تفسيرات جاهزة، فينسب بعض مشكلاته إلى ”السحر“ أو إلى قوى غيبية، دون أن يحاول البحث عن أسبابها النفسية والاجتماعية والتربوية. وهكذا قد يظل منشغلًا بما يتوهّم أنه سبب معاناته، بينما يغفل عن جوانب من شخصيته تحتاج إلى الفهم والمعالجة.

إن بناء الإنسان لا يتحقّق بتلقينه المعلومات وحدها، ولا بإعداده للحصول على وظيفة أو تحقيق مكانة اجتماعية. إنه يحتاج أيضًا إلى تربية تعلّمه فهم نفسه، واحترام الآخرين دون الخضوع لهم، والتعبير عن مشاعره دون ابتزاز، وتقبّل أن بعض الناس لن يحبّوه، وأن بعض الأبواب ستُغلق في وجهه، دون أن يعني ذلك أنه فقد قيمته.

فهل نعيد النظر في مفهومنا للتربية، أم سنظل نخرّج أجيالًا تعرف كيف تجتاز الامتحانات الدراسية، لكنها لا تعرف كيف تجتاز امتحانات الحياة؟

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك