03 ايام قبل تعييني مديرا للمخابرات .. قبل توقيع المرسوم الرئاسي

حكيم زيات / صحفي استقصائي

ثلاثة أيام قبل الطوفان: كواليس ما قبل تولي قيادة الـ FSB

قبل ثلاثة أيام فقط من التوقيع على ذلك المرسوم الرئاسي الصامت الذي سيغير وجه روسيا الأمني للأبد في يوليو 1999، لم يكن العالم الخارجي ليدرك شيئاً عما يدور داخل تلك الغرفة المعتمة في مبنى “اللوبيانكا” التاريخي بموسكو.

كنت أجلس وحدي، ورائحة الشاي الروسي البارد تملأ المكان، وأوراق الملفات الاستخباراتية تتناثر أمامي كأوراق خريف مبكر.

ثلاثة أيام فقط تفصلني عن الجلوس على الكرسي الأكثر رعباً وحساسية في الدولة؛ كرسي إدارة جهاز الأمن الفيدرالي الروسي (FSB)، خلفاً لرجل حاد الذكاء يُدعى فلاديمير بوتين، الذي كان يتهيأ للصعود نحو آفاق سياسية أبعد بكثير.

اليوم الثالث: جردة حساب الموت والذاكرة

في اليوم الثالث قبل التعيين، لم أشعر بنشوة السلطة ولا ببريق المنصب. السلطة في أروقة الاستخبارات الروسية ليست وساماً يعلق على الصدر، بل هي عبء ثقيل يشبه حمل طن من الحديد في ليلة شتاء سيبرية.

كنت أتأمل صور السلالم المظلمة للماضي السوفيتي؛ الـ KGB، والانهيار الكبير، وتفكك الإمبراطورية الذي عشنا مرارته جندياً تلو جندٍ. أدركت حينها أن روسيا لم تكن تسقط عسكرياً، بل كانت تتداعى استخباراتياً من الداخل. كانت الدولة مجرد هيكل عظمي تنهشه مافيات الفساد وتعبث به أجندات الشرق والغرب. في ذلك اليوم، كتبت على قصاصة ورقية صغيرة بخط يدوي: “لن نمنحهم فرصة انهيار ثانٍ.. حتى لو تطلب الأمر أن نحترق جميعاً”.

اليوم الثاني: هدوء ما قبل العاصفة الاستراتيجية

في اليوم الثاني، انهمكت في قراءة التقارير الحساسة حول القوقاز، وتغلغل الحركات الانفصالية، وشبكات التجسس الأجنبية التي كانت تزرع أنابيب ديناميت تحت جدار الفيدرالية الروسية الهش.

لم تكن الهواتف تتوقف عن الرنين، لكنني أبقيت مكتبي شبه مغلق. في تلك اللحظات، أدركت أن الرجل الذي سيجلس على رأس الـ FSB لا يقود مؤسسة أمنية تقليدية، بل يدير “عقل الدولة الخفي”. كنت أعلم أن التحدي القادم لن يكون بياناً سياسياً، بل حروباً خفية، وتفجيرات غامضة ستضرب مدننا قريباً، واختبارات قاسية ستحدد ما إذا كانت روسيا ستعود لاعباً كبيراً أو تتلاشى كخريطة بائسة في كتاب التاريخ.

أبرز ما في تلك الساعات هو إدراكي التام لطبيعة التحالف الحديدي بيني وبين بوتين؛ كنا ننظر لنفس الخريطة الممزقة، ونؤمن بنفس العقيدة الصلبة: الدولة أولاً، والاستقرار فوق كل دستور، والضعف خيانة عظمى.

اليوم الأقبل: اللحظة الأخيرة قبل دخول النار

في الليلة التي سبقت الإعلان الرسمي، وقفت طويلاً أمام النافذة أراقب تساقط الثلج فوق موسكو. الأنوار كانت خافتة، والمدينة تبدو هادئة بوادعة خادعة.

فكرت في عائلتي، وفي الاسم الذي سيصبح قريباً عنواناً لكل العناوين الرئيسية في نشرات الأخبار العالمية. فكرت في الأعداء الذين سأصنعهم، وفي الملفات السرية التي ستصبح رفيقتي في مأكلي وممشاي. هل أنا مستعد لحمل هذا الصليب؟

لم يكن هناك مجال للتراجع. فالرجال الذين صُقلوا في مدرسة المخابرات السوفيتية لا يعرفون خياراً اسمه التردد.

في صباح اليوم التالي، دخلت القاعة، ووقفت أمام المرآة لآخر دقيقة وأنا أسوي ربطة عنقي السوداء. أخذت نفساً عميقاً، أغلقت باب الشك خلفي بالمفتاح الأبدي، وخرجت لأتلمس طريقي نحو العرش الخفي لروسيا. لقد بدأت اللعبة، ولم يعد مسموحاً لي أن أرمش!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك