مهمة الجندي المقدسة: أن تسلم الوطن كما استلمته نقياً مصوناً

هشام ذيبي

في قاموس الشرف العسكري، ليست العسكرية مجرد وظيفة تؤدى في أوقات الدوام، ولا هي زّي يُرتدى بفخر وتُحسب ساعاته بالأجر؛ العسكرية عقيدة، وعهد، ورباط مقدس يربط الماضي بالحاضر والمستقبل. وإن أعظم ما يضطلع به الجندي المرابط على الثغور هو تلك الأمانة العظمى التي توارثتها أجيال الفداء، وملخصها الأبدي: أن تُسلم الوطن لمن يأتي بعدك كما استلمته ممن سبَقك.. نقياً، حراً، شامخاً، ولم تمتد إليه يد بسوء.

الراية التي لا تسقط

حين يقف الجندي في طليعة الصفوف، حاملاً سلاحه وعينه على الأفق، فإنه لا يدافع فقط عن جغرافيا صماء، بل يدافع عن تاريخ أُسس بالدم، وعن تراب مشى عليه الشهداء والأبطال.

لقد تسلم الجندي الحالي الراية من جيل سبق، من رجال سهروا الليالي في العراء، وتحملوا قساوة الجبال والصحاري، وقدموا أرواحهم رخيصة لتبقى الجزائر حرة أبية. هؤلاء الأبطال لم يتركوا لنا أرضاً فحسب، بل تركوا لنا ذمة تاريخية وأمانة أخلاقية ثقيلة: أن نحافظ على هذه الوديعة.

تخيل لو أن كل جندي قرر أن يتهاون، أو أن يفرّط في شبر واحد، أو أن يتسرب الوهن إلى عزيمته.. لسقط السور وتداعى البنيان. لكن الوعي العسكري الحقيقي هو إدراك أنك حلقة في سلسلة ذهبية لا تقبل الانقطاع؛ فحراستك لليوم هي ضمانة لغد الأجيال القادمة.

العهد الذي لا يخضع للمساومة

إن الجندي الحقيقي يعلم يقيناً أن التحديات قد تتغير، وأساليب التهديد قد تتطور من حرب السلاح التقليدي إلى حروب الجيل الرابع والتشويش المبرمج؛ لكن قاعدة الشرف العسكري لا تتغير أبداً: الأرض لا تساوم، والسيادة لا تقبل أنصاف الحلول.

عندما تقف في نقطة المراقبة، في ليلة حالكة البياض والبرودة، وتصارع التعب والنعاس، تذكر أن وراءك شعباً كاملاً ينام مطمئناً لأن عيونكم ساهرة لا تنام. أنت لست مجرد رقم في سجل، أنت السد المنيع الذي يتكسر أمامه طامع أو حاقد.

التسليم العظيم: أمانة للأجيال القادمة

اليوم تحرس، وغداً سيأتي من بعدك من يتسلم منك الراية. وستقف أمام محكمة الضمير والتاريخ لتجيب عن السؤال الأهم: كيف تسلمت الوطن، وكيف تسلمه لمن بعدك؟

إن أسمى غاية يمكن أن يحققها الجندي في نهاية مسيرته العسكرية، هو أن ينظر إلى الخريطة ويرى حدود وطنه سالمة غراء، وأن يسلم الأمانة لمن خلفه نقية طاهرة كما ورثها ممن سلفه، لم ينقص منها شبر، ولم تتدنس كرامتها.

فلتبقى السواعد سمراء، والعيون يقظة، والقلوب معلقة بح حب الوطن والذود عنه؛ فالمهمة مقدسة، والتاريخ لا يرحم المفرطين، والوطن أغلى من أن يمس بسوء!

إرسال التعليق