تحرير فلسطين يبدأ بتحرير الشعوب والمساجد والإعلام

تحرير فلسطين يبدأ بتحرير الشعوب والمساجد والإعلام

رشيد مصباح (فوزي)

الدولة الدّينية التي يتبنّاها اليمين المتطرف في إسرائيل لا تُقابَل بالاستهجان نفسه الذي يُبديه بعض العلمانيين العرب تجاه أي تيار إسلامي قد يصل إلى الحكم. فهناك من يرفع شعار العلمانية إلى حد رفض أن تحكمه قوى ذات مرجعية إسلامية، أو أن تكون الشريعة بديلًا عن القوانين الوضعية التي فُرضت فرضا على مجتمعاتنا خلال مراحل الهيمنة الأجنبية.

أما الديمقراطية، فهي مقبولة في الغرب، بينما تُوصم لدى علماء السلطان بالكفر حين تطالب بها الشعوب العربية والإسلامية. وحرية التعبير، التي تُعد حقًّا أساسيًا في المجتمعات الديمقراطية، تتحوّل عندنا إلى جريمة تستوجب العقاب، خصوصًا عندما تنتقد السلطة أو تكشف تناقضاتها.

وفي إسرائيل، ورغم الطبيعة الدينية المتطرفة للدولة، يوجد إعلام مستقل نسبيًا، كما أن الخطاب الدّيني يمتلك مساحة واسعة من الحرية والتأثير. أما في الدول الإسلامية، فقد تحوّل الإعلام إلى مؤسسة تنقل البيانات الرسمية وتدافع عن سياسات السلطة، وأصبح المسجد بدوره مؤسسة تابعة لها، لا يملك استقلالًا حقيقيًا ولا يستطيع أداء دوره في توعية الناس أو التعبير عن قضاياهم.

وبينما تتمتع الشعوب التي تحكمها أنظمة ديمقراطية بوسائل سياسية ومؤسسية للدفاع عن حقوقها، تبقى الشعوب الخاضعة للأنظمة الشمولية والسلطوية عاجزة عن التأثير الحقيقي في سياسات دولها؛ فأنّى لفلسطين أن تتحرّر ما دامت الشعوب الإسلامية خاضعة لأنظمة تقمع إرادتها وتصادر حريّتها وتمنعها من تنظيم صفوفها.

ولن تتحرّر فلسطين ما لم يتحرّر المسجد والإعلام في الدول الإسلامية من هيمنة السلطة. ولهذا، فإن الاكتفاء بالشعارات والمتاجرة بالقضية الفلسطينية لا يقدّم لها خدمة حقيقية؛ إذ إن دعم فلسطين يبدأ بتحرير الإنسان، واستعادة استقلال المؤسسات، ورفع الوصاية المفروضة على الخطاب الدّيني والإعلامي.

ومن هنا يمكن فهم حرص الصهيونية العالمية، بحسب هذا المنظور، على إبقاء الشعوب الإسلامية خاضعة لأنظمة قومجية متنازعة، وعلى تغذية الخلافات بينها ومنعها من بناء إطار وحدوي أو تعاوني. فهذه الأنظمة نشأت على أنقاض الدولة الإسلامية، وأُسند إليها دور يتمثل في تثبيت حدود ”سايكس–بيكو“، ومراقبة الشعوب، ومنعها من استعادة وحدتها، رغم أن اتحادها يمكن أن يمنحها قوة سياسية واقتصادية واستراتيجية كبيرة.

وتقتضي مصلحة القوى الصهيونية إضعاف هذه الشعوب، وإبقائها مجزّأة و متناحرة، حتى لا تتحوّل إلى قوة قادرة على التأثير في المنطقة أو دعم فلسطين بصورة حقيقية. ولذلك يجب على الشرفاء أن ينهضوا لتحرير المساجد من التبعية والوصاية، حتى تستعيد دورها في توعية الناس والدفاع عن قضاياهم، لا أن تكون مجرّد منابر لترديد بيانات السلطة.

أما الإعلام، فقد تراجعت قدرته على احتكار الحقيقة في ظل انتشار الوسائل المعرفية والتكنولوجية الحديثة. ومع ذلك، تبقى مسؤولية الشعوب قائمة في استخدام هذه الوسائل بوعي، وبناء خطاب مستقل، وكشف التضليل، ومواجهة كل من يسعى إلى إبقائها في حالة خضوع وانقسام.

ففلسطين لن تتحرّر بالشعارات وحدها، ولا بالبكاء والنحيب.. بل بتحرّر الشعوب التي تحمل قضيتها، واستعادة المساجد والإعلام لدورهما، وإنهاء الاستبداد والتبعية والانقسام.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك