لماذ قرر المسلمون ترك غزة تواجه الموت جوعا ؟؟؟

إن أفظع ما يمكن أن يبتلي به أمة من الأمم ليس قلة حيلتها المادية فحسب، بل هو «موت الوعي» وتبلد الشعور حتى تصبح مشاهد الموت والدمار والجوع المطبق مجرد مقاطع عابرة على شاشات الهواتف تُمرر ببرود كغيرها من الأخبار. وحين يتساءل المرء بحرقة وألم عن الأسباب التي جعلت الملايين من المسلمين حول العالم يفقدون الاهتمام الحقيقي بمأساة جوع أهل غزة ومحنتهم الوجودية، فإنه يواجه واقعاً مركباً من التراجع النفسي، والتعود على المأساة، والأمراض الاجتماعية والنفسية التي أصابت جسد الأمة في مقتلها.
أولاً: خدر الاعتياد وتطبيع المشاهد الصادمة
في بداية أي كارثة كبرى، يتحرك الوجدان الجمعي بشدة وتشتعل المشاعر تضامناً واستنكاراً. غير أن عامل الزمن، وتكرار صور الموت، والجوع، والمجازر اليومية على مدار الشهور والسنوات، يخلق لدى النفس البشرية حالة دفاعية مرضية تُعرف بـ «تبلد المشاعر الناتج عن فرط التعرض للصدمات» (Desensitization). حين تتكرر مشاهد الأطفال الهزال، والطوابير الفارغة، والبطون الخاوية يوماً بعد يوم، يتعامل العقل البشري الكسول مع المأساة كجزء من «المشهد الطبيعي» المعتاد، فيقلّ التعاطف تدريجياً، وتحل محله حالة من البلادة الشعورية التي تُفرغ القضية من زخمها الإنساني المللح.
ثانياً: التخدير الإعلامي وفنون صرف الانتباه
تعيش الأمة الإسلامية والعالم بأسره اليوم وسط طوفان رقمي وإعلامي هائل، صُمم خصيصاً لتوجيه الانتباه واختطاف الوعي. تعمل خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي والآكينات الإعلامية الكبرى على إغراق المواطن بهموم استهلاكية تافهة، ومعارك وهمية، وترفيه مستمر يغطي على صوت الجوع والأنين. لقد نجحت منظومة التسطيح الإعلامي في إيجاد مسافة وهمية بين المتلقي وبين الواقع؛ حيث يُقدم جوع غزة كخبر عابر بين إعلانات تجارية ومباريات رياضية، مما يفقد الحدث هيبته وقداسته في قلوب المتابعين، ويجعلهم ينشغلون بيومياتهم البسيطة كأن شيئاً لا يهم.
ثالثاً: العجز المكتسب والشعور بالعقم التام
حين يشعر الإنسان أنه عاجز تماماً عن إحداث أي تغيير حقيقي، وأن صرخاته، ومقاطعاته، ومظاهراته لا تغير شيئاً على أرض الواقع، يتسرب إليه شعور عميق بما يُسمى في علم النفس «العجز المكتسب» (Learned Helplessness). يقول المرء لنفسه بانهزامية: «ما عساني أن أفعل أمام هذا الطوفان؟ هل سيغير جوعهم أكلي أو شربي؟». هذا اليأس الجمعي المصطنع يُستخدم كميكانيزم دفاعي يريح الضمير الكسول؛ إذ يصبح نسيان المأساة أو تجاهلها وسيلة هروب من مرارة الإحساس بالعجز وقلة الحيلة، فيختار الفرد أن يغلق عينيه ويسدل الستار ليعيش في سلام وهمي.
رابعاً: تغليب المصالح القطرية والانكفاء الذاتي
على المستوى السياسي والاجتماعي الأوسع، أدى تراجع مفهوم «الأخوة الإنسانية والعقد الإسلامي الجامع» إلى صعود النعرات القطرية والمحلية الضيقة. أصبح همّ كل مجتمع أو دولة محصوراً في أزماته الاقتصادية الخاصة، وتضخمه المحلي، وهموم عيشه اليومي. هذا الانكفاء الذاتي جعل الشعوب ترى قضايا الأمة الكبرى كعبء زائد لا تقوى على تحمله، فانكمشت الهمم وتقزمت الاهتمامات لتقتصر على دائرة الفرد العائلي الضيق، غافلة عن حقيقة أن الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
خاتمة: عودة الروح وبوصلة الضمير
إن فقدان الاهتمام بجوع أهل غزة ليس دليلاً على قسوة مطلقة بقدر ما هو عرض لمرض عقائدي ونفسي أصاب الوعي الجمعي للأمة. وإن استعادة الإنسانية الحية تبدأ من رفض هذا الخدر الممنهج، ومجاهدة النفس لكيلاتتأقلم مع الظلم، وإبقاء جذوة التعاطف مشتعلة في القلوب مهما طال الزمن وتعددت الفتن. فالجائع في غزة لا يطلب شفقة عابرة، بل يذكر الأمة باختبارها الأخلاقي الأكبر؛ فإما أن تستيقظ الضمائر لتسترد إنسانيتها، أو يسقط الجميع في امتحان الموت المعنوي والوجداني الأبدي.



إرسال التعليق