جبل جليد الجهل المؤسسي: كيف تجمّل التقارير انتحار الإدارة العليا؟
ليمام عمار
بين برج الإدارة العاجي وأرض الميدان الصلبة… تضيع الحقيقة! في العمل الإداري، كثيراً ما تتفاجأ القيادات العليا بانهيار مفاجئ في خططها الاستراتيجية، أو بتراجع حاد في كفاءة التشغيل، رغم أن طاولات الاجتماعات لم تكن تفارقها التقارير التي تتوشح باللون الأخضر والأرقام الصاعدة. هذا التناقض الصارخ ليس وليد الصدفة، بل هو تجسيد حي لدراسة إدارية ذائعة الصيت للباحث سيدني يوشيدا (Sydney Yoshida)، والتي عُرفت في أدبيات التسيير بفكـرة «جبل جليد الجهل المؤسسي» (The Iceberg of Ignorance).
طرح يوشيدا من خلال هذه النظرية صورة لافتة وصادمة عن مدى تراجع معرفة المستويات الإدارية العليا بالمشكلات الفعلية التي تعيشها المؤسسة. فالموظفون المتواجدون في الخطوط الأمامية، بحكم احتكاكهم اليومي المباشر بالعمل والعملاء، يكونون هم الأقرب والأكثر وعياً بالمشكلات الحقيقية وثغرات الأداء. لكن المعضلة تبدأ عندما تتحرك المعلومة؛ فكلما صعدت الأزمة عبر الهرم الإداري صعوداً، تقلّ نسبة ما يصل منها إلى المستويات الأعلى، حتى لا يبقى أمام الإدارة العليا في نهاية المطاف سوى جزء محدود جداً من الصورة الكاملة، بينما يقبع الجزء الأكبر من الجبل تحت سطح التجاهل.
إن الأزمة الحقيقية لا تكمن فقط في ضياع المعلومة، بل في تشويهها المتعمد؛ فالأخبار والوقائع لا تصعد دائماً كما حدثت على أرض الواقع. إذ تمر المعلومات عبر سلسلة معقدة من “الترشيح الإداري والنفسي”. وحرصاً على إظهار الأداء بصورة إيجابية وبراقة أمام المستوى الأعلى، ولحماية المصالح الشخصية للمديرين الأوسطين، تُختصر الأخطاء، وتُخفَّف حدة المشكلات، وتُجمَّل التقارير.
وهكذا، تصل إلى قمة الهرم الإداري أرقامٌ مريحة تنام على وسائدها الإدارة العليا طمأنينةً، بينما يروي الواقع اليومي الشاق للعاملين في الميدان قصة مغايرة تماماً، عنوانها الانفصال التام عن الحقيقة.



إرسال التعليق