كيف بدأت فكرة معاداة السامية؟ ولماذا تحولت إلى فوبيا وتهمة في العالم الغربي؟
محمد عبد الكريم يوسف
تُعدّ معاداة السامية (Antisemitism) من أكثر الظواهر الاجتماعية والسياسية إثارةً للجدل في التاريخ الغربي الحديث. فهي ليست مجرد prejudice عابر، بل منظومة معقدة من التصورات والاتهامات والممارسات التي تحوّلت عبر قرون من العداء الديني إلى كراهية عرقية، ثم إلى أداة سياسية ذات وظائف متعددة في المجال العام الغربي. يسعى هذا البحث إلى تتبّع مسار تكوّن الفكرة: من جذورها اللاهوتية في العصور الوسطى، مرورًا بتحولها إلى “فوبيا” جماعية مع صعود القومية والعرقنة في القرن التاسع عشر، وصولًا إلى توظيفها كتهمة سياسية في العقود الأخيرة. وتكمن الإشكالية المركزية في السؤال التالي: كيف تحوّل مصطلح وُلد لوصف كراهية اليهود إلى سلاح رمزي يُستخدم في الصراعات السياسية والثقافية داخل الغرب ذاته؟
أولًا: أصل المصطلح وجذوره التاريخية
1.1 نشأة المصطلح: من “كراهية اليهود” إلى “معاداة السامية“
لم يكن مصطلح “معاداة السامية” قديمًا قدم الظاهرة التي يصفها. فالكلمة الإنجليزية “Antisemitism” صاغها الصحفي الألماني فيلهلم مار (Wilhelm Marr) عام 1879 في كتابه “انتصار اليهودية على الألمانية” (Der Sieg des Judenthums über das Germanenthum)، ليميّز بين نوع جديد من العداء لليهود — عداء عرقي وسياسي — وبين الاحتقار الديني التقليدي لليهودية الذي ساد العصور الوسطى. ويُجمع عدد من الباحثين على أن عام 1879 يُشكّل نقطة انطلاق مناسبة لدراسة معاداة السامية الحديثة، لأن مار لم يكتفِ بوصف الظاهرة، بل سعى إلى تنظيمها سياسيًا من خلال “رابطة معاداة السامية” (Antisemiten-Liga).
ومن المفارقات أن مصطلح “معاداة السامية” نفسه مضلّل علميًا؛ فـ”السامية” تشير لغويًا إلى عائلة اللغات السامية التي تضم العربية والعبرية والآرامية، وليس إلى “عرق” يهودي مفترض. لكن المصطلح فُرض في الخطاب الغربي بمعناه الضيق الدال على كراهية اليهود حصرًا.
1.2 الجذور الدينية: “العداء اللاهوتي” في العصور الوسطى
قبل ظهور المصطلح بقرون، كانت جذور العداء لليهود في الغرب المسيحي دينية بالدرجة الأولى. فقد بدأ العداء بين اليهود والعالم المسيحي عداءً دينيًا منذ القرون الميلادية الأولى، وتعزّز في العصور الوسطى عبر اتهامات لاهوتية مزدوجة: اتهام اليهود بـ”قتل المسيح” (deicide)، واتهامهم بالانحراف عن “الحق الإلهي”. وقد تحوّلت هذه الاتهامات اللاهوتية إلى ممارسات عنيفة: مذابح دموية قام بها المواطنون ضد اليهود ورخّصها القادة في أوقات متعددة، إضافة إلى اتهامات باطلة مثل “تضحية اليهود بالأطفال” (Blood Libel)، وتحميلهم مسؤولية الكوارث الطبيعية كالموت الأسود (الطاعون) في القرن الرابع عشر.
ولم تكن هذه الموجات مجرد انفعالات شعبية؛ فقد صاغت كتابات لاهوتيين مسيحيين مؤثرين، مثل مارتن لوثر، أسس “العداء اللاهوتي” (theological anti-Judaism) الذي ميّز اليهود كجماعة مرفوضة دينيًا. ومع ذلك، يشدّد المؤرخ جاكوب كاتز على أن العداء في العصور الوسطى والعداء الحديث لم يكونا “مختلفين جوهريًا” كما يُشاع، بل إن عناصر الاستمرارية بينهما أعمق من عناصر الانقطاع.
1.3 التحول الاقتصادي والعرقي: من الدين إلى “الدم“
مع نهاية العصور الوسطى وبداية العصر الحديث، بدأ العداء لليهود يتحول من الدين إلى الاقتصاد والعرق. فبسبب منعهم من امتلاك الأراضي والانخراط في نقابات الحرف، تركّز كثير من اليهود في التجارة والصرافة والإقراض، وهي مهن “وسيطة” جعلتهم في مواجهة مباشرة مع عامة السكان. وهكذا أصبحت كلمة “يهودي” مرادفة في كثير من اللغات الأوروبية لكلمات مثل “تاجر” و”مرابٍ” و”بخيل” و”غشاش”، وهي الصورة الإدراكية التي تبلورت في عصر النهضة في شخصية “شيلوك” عند شكسبير.
ثم جاء التحول الحاسم مع ظهور “العلم” الزائف للعرق في القرن التاسع عشر. فبدلًا من اعتبار اليهودي قابلاً للتخلص من “عيوبه” باعتناق المسيحية (كما كان يُفترض في المنطق اللاهوتي)، بدأ يُنظر إليه كحامل لجوهر شرير “ينتقل مع المورثات مثلما يتم توارث لون الشعر وفئة الدم”. وقد فشلت محاكم التفتيش الإسبانية في قبول اليهود المعتنقين للمسيحية (المارانوس) بسبب دعاوى “نقاء الدم” (limpieza de sangre)، مما كشف أن العداء كان قد بدأ يتجاوز الدين نحو العرق.
ثانيًا: لماذا تحولت إلى “فوبيا”؟ من الكراهية إلى الرهاب الجماعي
2.1 التحول البنيوي: الإدماج والصراع على المكانة
لا يمكن فهم تحوّل معاداة السامية إلى “فوبيا” جماعية بمعزل عن التحولات الاجتماعية الكبرى في أوروبا القرن التاسع عشر. فمع emancipación اليهود (المساواة القانونية) التي بدأت تُطرح فكريًا في عصر التنوير وتحققت فعليًا خلال الثورة الفرنسية والحروب النابليونية، دخل اليهود إلى المجال العام والاقتصاد والمهن الحرة والمجامعات الوطنية بوصفهم مواطنين متساوين. لكن هذا الإدماج أثار ردود فعل عنيفة، لأن الجماعات المهيمنة رأت في صعود اليهود تهديدًا لمكانتها.
وهنا يقدّم جاكوب كاتز تفسيرًا مهمًا: لقد رفض “نظرية كبش الفداء” (scapegoat theory) التي تختزل معاداة السامية في كون اليهود مجرد “مانعة صواعق” للتوترات الاقتصادية والاجتماعية. وبدلًا من ذلك، يرى أن هناك توترات “حقيقية” بين اليهود وغير اليهود، لأن اليهود كانوا جماعة “مرئية للغاية ومتماسكة” دخلت في منافسة على المكافآت الاجتماعية والاقتصادية. ومع أواخر القرن التاسع عشر، تحوّلت الكراهية من الدين إلى “جوانب أكثر جوهرية في شخصيتهم وسلوكهم”.
2.2 من “الرهاب” إلى “الرهاب الأخلاقي” (Moral Panic)
يمكن وصف معاداة السامية الحديثة بأنها “فوبيا” بالمعنى السوسيولوجي، لأنها لم تعد مجرد موقف فردي، بل أصبحت “ذعرًا أخلاقيًا” جماعيًا يُعبّأ سياسيًا وإعلاميًا. وقد أظهرت دراسة حديثة لـ نيفي غوردون (Neve Gordon) حول صحيفة “The Jewish Chronicle” أن الصحيفة استخدمت خطاب “معاداة السامية” على مدى قرن، ثم كثّفت استخدامه بشكل حاد في الأشهر التسعة التي سبقت وتلت هجوم 7 أكتوبر 2023، عبر “المبالغة” و”تسليح” مفهوم صهيوني لمعاداة السامية بغرض إنتاج “ذعر أخلاقي” (moral panic). وتُظهر البيانات أن الخطاب استخدم “لغة الصدمة والأذى” لإعادة تأكيد مفهوم “الضحوية اليهودية” (Jewish victimhood) بشكل مستمر، ثم استخدام “الأذى” المزعوم لشنّ سلسلة من الإجراءات القمعية ضد أفراد وجماعات ومؤسسات.
وهذا يعني أن “الفوبيا” هنا ليست مجرد خوف أو كراهية، بل هي آلية خطابية وسياسية: تُنتَج “الضحية” وتُعاد إنتاجها، ثم تُستخدم هذه الضحية لتبرير إجراءات عقابية ضد “المعتدين” المفترضين. وفي هذا السياق، تصبح معاداة السامية “فكرة مواسية” (consoling idea) تُستخدم لتوطيد الهوية الجماعية اليهودية من جهة، ولتوفير غطاء يشرّع أشكالًا من “الحكم العرقي” (racial governance) ضد الفلسطينيين والمتضامنين معهم من جهة أخرى.
ثالثًا: كيف تحولت إلى “تهمة”؟ تسليح معاداة السامية في الغرب
3.1 “تسليح معاداة السامية”: المفهوم والجدل
في العقود الأخيرة، برز مفهوم “تسليح معاداة السامية” (weaponization of antisemitism) أو “استخدامها كسلاح” في الأدبيات الأكاديمية. ويُعرّف هذا المفهوم بأنه “الاستغلال المنهجي لاتهامات معاداة السامية لمواجهة الخطاب المناهض للصهيونية أو لإسكات الانتقادات الموجهة للحكومة الإسرائيلية”. ويشير وارن غولدشتاين (Warren S. Goldstein) إلى أن اتهامات “معاداة السامية” استُخدمت “كسلاح هجومي” لإسكات الأكاديميين والسياسيين المنتقدين لسياسات دولة إسرائيل، إلى حدّ “يُبطل قيمة المصطلح نفسه”.
لكن هذا المفهوم لا يخلو من جدل حاد. فبينما يرى بعض الباحثين أن الاتهامات تُستخدم فعلاً لإسكات النقد المشروع لإسرائيل، يرى آخرون أن الحديث عن “التسليح” نفسه قد يكون مناورة لتبرئة الخطاب المعادي للسامية. وتشير وثائق إلى أن منظمات مثل “مشروع نيكسوس” (Nexus Project) تأسست عام 2019 بعد تبنّي تعريف التحالف الدولي لإحياء الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية، بهدف بناء “جدار حماية فكري وسياسي” يحمي الخطاب المعادي للصهيونية من وصمة “معاداة السامية” والعواقب القانونية المترتبة عليها، عبر إعطاء الأولوية “للنية” على “النتيجة”. وفي المقابل، يرى منتقدو هذا المشروع أنه يوفّر “ملجأً آمنًا” للهجمات السياسية على حق اليهود في تقرير المصير.
3.2 اليسار الغربي: من “تحالف المظالم” إلى “الهدف المنظِّم“
ثمة سؤال محوري يطرحه الباحثون: لماذا وجدت اتهامات معاداة السامية صدى واسعًا في أوساط اليسار التقدمي الغربي، على الرغم من أن اليسار تاريخيًا كان الأكثر مقاومة لمعاداة السامية؟ تطرح روث فيسه (Ruth Wisse) تفسيرًا مثيرًا للجدل: أن معاداة السامية “استقرّت” لأنها توفّر “هدفًا منظِّمًا” (organizing target) ملائمًا لظاهرة “تحالفات المظالم” (grievance coalitions) التي سيطرت على اليسار. ففي ألمانيا النازية، كان اليهود “جماعة صغيرة العدد بما يكفي ألا تكون تهديدًا، لكنها كبيرة بما يكفي لتكون مرئية”، فشكّلوا “الهدف المنظِّم المثالي للشكوى واللوم”. وتنقل هذه الآلية إلى الجامعات الأمريكية المعاصرة، حيث توجد “33 جماعة مظالم” مختلفة، ثم يأتي الفلسطينيون ليقدّموا “علمًا وزيًا” ويقولوا لهذه الجماعات: “نحن جماعة المظالم الأولى، اتبعونا”.
ويضيف هذا الطرح أن معاداة السامية لا تحتاج إلى أن تتضمن رسالة “أنا أكره اليهود”؛ بل يكفي أن تطرح سؤالًا مثل: “من أو ما الذي يفسّر الظلم الذي نعارضه جميعًا؟” ويكون استخدام اليهود “كمبدأ تنظيمي” بلا كلفة تقريبًا: فالانضمام إلى تحالف مناهض للرأسمالية قد يهدد مصالحك التجارية، والانضمام إلى تحالف مناخي قد يستلزم تضحيات اقتصادية، لكن “كراهية إسرائيل تجلب لك العناوين فحسب”. وتذهب دارا هورن (Dara Horn) أبعد من ذلك، فتصف معاداة السامية بأنها “كذبة تُستخدم لاكتساب السلطة أو الحفاظ عليها”، وهي “لزجة” بشكل خاص لأن معاداة السامية — خلافًا للتعصبات النمطية الأخرى التي ترى الآخرين “أدنى” — ترى اليهود “أقوياء بشكل خاص”، وبالتالي فإن “نزع السلطة من جماعة مميزة وإعطاءها لجماعة مهمّشة لا يبدو كعنصرية، بل يبدو كعدالة اجتماعية”.
3.3 “معاداة السامية الجديدة” ومعاداة الصهيونية: حدود التلاقي
منذ السبعينيات، صاغ بنيامين إبستاين وأرنولد فورستر أطروحة “معاداة السامية الجديدة” (The New Antisemitism) في كتابهما الذي حمل العنوان نفسه عام 1974، حيث زعما أن شكلًا جديدًا من معاداة السامية قد ظهر، يختلف عن معاداة السامية المسيحية أو العرقية القديمة، ويتمثل في العداء لإسرائيل والصهيونية. وقد تعزّزت هذه الأطروحة بعد حرب أكتوبر 1973 وانتشار الخطاب المعادي للصهيونية في المحافل الدولية.
لكن هذه الأطروحة تواجه معارضة أكاديمية قوية. فأنتوني ليرمان (Antony Lerman) في كتابه “ماذا حدث لمعاداة السامية؟” (Whatever Happened to Antisemitism?) يتحدى فكرة “معاداة السامية الجديدة” ويرى أن الخلط بين معاداة الصهيونية ومعاداة السامية “لا أساس له”. ويقدّم شالوم لابين (Shalom Lappin) في كتابه “معاداة السامية الجديدة: عودة كراهية قديمة في العالم الحديث” (2024) تحليلًا أكثر تركيبًا، فيرى أن معاداة السامية المعاصرة تضرب جذورها في ثقافات غربية وشرق أوسطية منذ آلاف السنين، مما يسمح للعداء تجاه اليهود بـ”عبور الحدود السياسية بسهولة، يمينًا ويسارًا، بطريقة لا تفعلها أشكال العنصرية الأخرى”. وبعبارة أخرى، فإن “جِدّة” معاداة السامية لا تكمن في ظهورها، بل في قدرتها على التكيّف مع لغات سياسية جديدة: لغة حقوق الإنسان، ولغة مكافحة الاستعمار، ولغة العدالة الاجتماعية.
رابعًا: لماذا أصبحت “تهمة” ذات سلطة خاصة في الغرب؟
4.1 التحول الأخلاقي بعد الهولوكوست
لا يمكن فهم سلطة “تهمة معاداة السامية” في الغرب المعاصر دون الإشارة إلى التحول الأخلاقي الجذري بعد الهولوكوست. فبعد عام 1945، أصبحت معاداة السامية “تابوًا” (taboo) في الخطاب العام الغربي، وأصبحت ذكرى المحرقة (Shoah) معيارًا أخلاقيًا عالميًا لقياس الشرور. وقد أتاح هذا التحول الأخلاقي استخدام التهمة كأداة ذات ثقل أخلاقي هائل: فمن يُتهم بمعاداة السامية لا يُتهم فقط بموقف سياسي خاطئ، بل يُوضع في موقع أخلاقي موازٍ للنازية. ويلاحظ إريك هوبسباوم أن البحث الأكاديمي الجاد عن معاداة السامية لم يبدأ إلا بعد صعود النازية، لأن الكتاب لأول مرة لم يلقوا اللوم على اليهود، بل بدأوا يركزون على “معادي السامية أنفسهم” كسبب للمشكلة.
4.2 توظيف التهمة في الصراع السياسي والثقافي
في العقود الأخيرة، انتقلت التهمة من كونها أداة لمكافحة التمييز الفعلي ضد اليهود إلى كونها أداة في “الحرب الثقافية” (culture war) داخل الغرب. ويصف أحد التقارير المعاصرة الصراع حول تعريف معاداة السامية بأنه “أحد أكثر الجبهات تقلبًا في الحرب الثقافية” التي تشمل المجتمع اليهودي الأمريكي واليسار السياسي التقدمي والجهاز القانوني للولايات المتحدة. وفي هذا السياق، أصبح تعريف التحالف الدولي لإحياء الهولوكوست (IHRA) لمعاداة السامية — الذي يضم أمثلة على نقد إسرائيل قد تُعتبر معادية للسامية — أداة قانونية وسياسية مثيرة للجدل، تُتبناه حكومات وتُستخدم في الجامعات والمؤسسات لتصنيف خطاب معيّن على أنه “معادٍ للسامية”.
وفي ألمانيا تحديدًا، برز الجدل حول “تسليح” الاتهامات داخل اليسار نفسه. فقد اتهمت رئيسة حزب “اليسار” (Die Linke) إينيس شفردنر (Ines Schwerdtner) خصومها السياسيين بـ”تسليح معاداة السامية” لتحسين موقعهم السياسي ضد حزبها، ووصفت ذلك بأنه “مقرف” (ekelhaft). ويعكس هذا الجدل كيف أصبحت التهمة سلعة سياسية متداولة في الصراعات الحزبية، وليس فقط أداة لمكافحة التحيز.
4.3 الاتهام كآلية لتنظيم الخطاب: من “الضحية” إلى “الحاكم“
الأمر الأكثر دقة في تحول معاداة السامية إلى “تهمة” هو أنها لم تعد تُستخدم فقط ضد “معادين للسامية” فعليين، بل أصبحت آلية لتنظيم حدود الخطاب المسموح به. فوفقًا لتحليل غوردون، تستدعي صحيفة “The Jewish Chronicle” خطاب “الأذى” و”الصدمة” لتبرير إجراءات ضد الأفراد والجماعات والمؤسسات، ثم تستخدم التهمة “كدروع” لتبرير أشكال من “الحكم العرقي” (racial governance) وتجريم التضامن مع الفلسطينيين. وتصل الصحيفة إلى حدّ اعتبار أن “دعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير، أو حتى التعاطف مع معاناتهم، يُقدَّم كشكل من أشكال معاداة السامية العنيفة”.
وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا حول العلاقة بين “الحقيقة” و”التوظيف”: فهل يمكن الفصل بين معاداة السامية “الحقيقية” — التي تستهدف اليهود كيهود — وبين استخدام التهمة لأغراض سياسية؟ يرى بعض الباحثين أن هذا الفصل ضروري لصون المفهوم من التآكل، بينما يرى آخرون أن الفصل نفسه مستحيل لأن معاداة السامية كانت دائمًا “متجذرة بعمق في الثقافات الغربية والشرق أوسطية” وقابلة للتوظيف في لغات سياسية متغيرة.
خاتمة
إن تاريخ معاداة السامية هو تاريخ تحوّلات متلاحقة في “لغة” العداء و”وظيفته”. بدأت الفكرة كعداء لاهوتي في العصور الوسطى، حيث كان اليهودي “الآخر الديني” الذي يجب رفضه أو تحويله. ثم تحوّلت مع صعود الدولة القومية والعرقنة إلى “فوبيا” عرقية واقتصادية، حيث أصبح اليهودي “الآخر الجوهراني” الذي يحمل شرًّا موروثًا ويهدد “نقاء” الجماعة الوطنية. وأخيرًا، مع تحوّل الهولوكوست إلى معيار أخلاقي عالمي، تحوّلت التهمة نفسها إلى سلاح ذي ثقل أخلاقي هائل، يُستخدم في الصراعات السياسية والثقافية داخل الغرب، وأصبحت “معاداة السامية” مفهومًا قابلًا للتوسّع والتضييق حسب موازين القوى.
والاستنتاج الأكثر إثارة للقلق هو أن نجاح النضال ضد معاداة السامية الحقيقية قد خلق في الوقت نفسه إمكانية “تسليح” المصطلح. وبقدر ما تظل معاداة السامية ظاهرة حقيقية تستهدف اليهود كيهود، فإن تحويلها إلى “تهمة” فضفاضة تُستخدم لإسكات النقد السياسي لا يهدد حرية التعبير فحسب، بل يهدد أيضًا مصداقية المفهوم نفسه. وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن الحفاظ على صلابة المفهوم الأخلاقية دون تحويله إلى أداة في “سياسة الإصبع المتهم” (politics of the pointing finger) التي حذّر منها المفكرون؟
المراجع
- Jacob Katz, From Prejudice to Destruction: Anti-Semitism, 1700–1933, Harvard University Press, 1980.
- Jonathan Judaken, “Modern Anti-Semitism,” Oxford Bibliographies, 2014, DOI: 10.1093/obo/9780199840731-0072.
- Helen Fein (ed.), The Persisting Question: Sociological Perspectives and Social Contexts of Modern Antisemitism, De Gruyter, 1987.
- Neve Gordon, “The Weaponisation of Antisemitism: The Jewish Chronicle and the Production of a Moral Panic,” Media, Culture & Society, 2025, DOI: 10.1177/01634437251375360.
- Warren S. Goldstein, “The Weaponization of Antisemitism,” Critical Research on Religion, Vol. 14, Issue 1.
- Shalom Lappin, The New Antisemitism: The Resurgence of an Ancient Hatred in the Modern World, Polity Press, 2024.
- Antony Lerman, Whatever Happened to Antisemitism? Redefinition and the Myth of the “Collective Jew”, 2025.
- Dov Waxman, The Question of Antisemitism, 2026.
- Ruth Wisse, If I Am Not for Myself… The Liberal Betrayal of the Jews, 1992 (كما وردت في مقابلة مع The Jerusalem Post).
- “The Antisemitism Laundromat,” Middle East Forum, 2026.
- دراسة عربية محكّمة: “بدأ العداء بين اليهود والعالم المسيحي…”، مجلة الدراسات الإسلامية، جامعة آل البيت.
- Wikipedia (Arabic), “تسليح معاداة السامية,” (استنادًا إلى راز سيغال وآخرين، 2024).



إرسال التعليق