بين قيم المجتمع وواقعه
بين قيم المجتمع وواقعه
رشيد مصباح (فوزي)
قراءة لحظية مرتجلة في رواية «وليمة لأعشاب البحر» للكاتب السوري حيدر حيدر
دفعني الفضول إلى البحث عن رواية «وليمة لأعشاب البحر»، بعد أن عثرتُ مصادفة على نص نقدي لاذع يتناول ما ورد فيها من أمور اعتُبرت مسيئة لمدينة بونة، عنابة حاليا، وأهلها، وللدِّين الإسلاميّ، مستعرضًا المعارضة الشديدة التي لقيها الكتاب في مصر، عقب صدور طبعة ثانية منه سنة 2000.
لم أتردّد في تحميل الرواية من أحد المواقع التي تروّج للأعمال الأدبية، لأجد نفسي منغمسًا في قراءة صفحاتها الأولى.
ولا أنكر أنني اضطررت إلى الاستعانة بالقواميس لفهم بعض العبارات التي استعصى عليّ فهمها، وكان يحزّ في نفسي أن أجد نفسي مضطرًّا إلى ذلك كلما حاولتُ تجاوز عقبة لغوية.
وبوصفي جزائريًا يعرف أجواء «لالّّـا بونة» في تلك الأعوام، فقد عشتُ طفولتي في أحد أحيائها، في سكن وظيفي تابع للـ«سي آن آس» (CNS)، وهي الشرطة حاليًا، إن لم تخنّي الذاكرة، في عمارة تقع بالقرب من ساحة الثورة. وقد عشقتُ المدينة وأنا شاب مراهق، حتى بعد رحيلي عنها وعودتي إلى مداوروش.
لقد بدا لي «حيدر حيدر»، من خلال قراءتي روايته، ليس أديبًا فحسب، بل رسّامًا ونحّاتًا محترفًا، يرسم الواقع بتفاصيله وحيثياته، ولا يغفل حتى الجوانب التي لا يُستحسن الحديث عنها داخل المجتمع البوني الذي نحب أن نراه فاضلًا، رغم أنها موجودة بالفعل.
وكجزائري محافظ، غيور على دينه، قد أرفض في الرواية ما فيها من إباحية لا تتماشى مع القيم التي ضحّى من أجلها الشعب الجزائري المسلم المحافظ. لكنني، في الوقت نفسه، قارئ شغوف بالأدب الواقعي، وقد ذكّرتني هذه الرواية بأعمال جريئة لرواد الأدب الواقعي الجزائري، مثل «ريح الجنوب» لعبد الحميد بن هدوقة و«اللاز» للطاهر وطار.
قرأتُ ثلث الرواية، ثم توقّفتُ عند الصفحة (74)، التي شدّت انتباهي بما ورد فيها من ألفاظ نابية وجريئة. وهي ألفاظ موجودة بالفعل في واقعنا، لكن رفضنا لها لا يغيّر من وجود هذا الواقع شيئًا، مثلما أن تصويرها في عمل أدبي لا يعني بالضرورة تبريرها أو الدعوة إليها.
وهذا الواقع المشين نراه اليوم في سلوك بعض المراهقين المدمنين على الحبوب والأدوية المهلوسة، الذين يتسكّعون في الشوارع، ويسبّون الرب ويتلفّظون بكلام بذيء يخترق سكون الليل ويبثّ الرّعب في النفوس، مستغلّين غياب رجال الأمن والشرطة.
أرفق الصفحة المذكورة، مع اعتذاري المسبق للقراء الفضلاء عمّا ورد فيها من ألفاظ.

ولعلّ ما دفعني إلى التوقف عند هذه الصفحة ليس الألفاظ في حد ذاتها فحسب، بل ما تثيره من سؤال: هل نريد من الأدب أن يصوّر المجتمع كما نحب أن يكون، أم كما هو بالفعل؟
إنّ رفضَنا لبعض مظاهر الواقع حقٌّ مشروع، لكن تجاهلها لا يمحوها، كما أن كشفها في الأدب لا يجعل الكاتب بالضرورة مؤيّدًا لها؛ من باب ”ناقل الكفر ليس بكافر“. وبين الأمرين تبقى مسؤولية القارئ في أن يميّز بين تصوير الظاهرة وتبريرها، وبين نقد الواقع والاستسلام له.


إرسال التعليق