خيانة زوجية مشروعة !

ماريا خورخي / مترجم

كانت زفرات الرياح الباردة المنسابة من جبال “سييرا نيفادا” تلفح أزقة غرناطة العتيقة، بينما كانت “إيلينا” تجلس في شرفة منزلها الأندلسي القديم، تتأمل جدران حي “البيازين” المكتسية بالبياض. في يدها كوب شاي يتصاعد منه البخار، وفي قلبها جرف من الصمت والجمود الذي يطوق حياتها منذ سنوات.

كان زوجها “ماتيو”، المحامي الشهير في مدريد، رجلاً لا تفارقه أوراق القضايا ولا شاشات الهواتف. تزوجته قبل عقد من الزمن ظناً منها أنها تختار الأمان والاستقرار، لكن الأيام أثبتت لها أن الأمان المادي دون دفء عاطفي ليس سوى سجن فاخر. كان ماتيو غائباً دائماً، وإن حضر جسدياً، فإن ذهنه يظل عالقاً في قاعات المحاكم؛ يحسب الحياة بالأرقام والأرباح، ويرى في وجود إيلينا مجرد ديكور مكمل لنجاحه الاجتماعي.

في أحد أيام الخريف الشاحبة، وصلت إلى غرناطة شحنة من اللوحات الزيتية القديمة لترميمها في المعرض الصغير الذي تديره إيلينا. كان من بينها لوحة لأحد قصور الحمراء أضرّ بها الزمن. ومع اللوحات، جاء رمّام التحف الفنية “أليخاندرو”، القادم من قرطبة.

لم يكن أليخاندرو يشبه أحداً ممن عرفتهم إيلينا. كان رجلاً يعيش بالتفاصيل، يقرأ حزن العيون كما يقرأ تشققات الألوان على القماش. منذ اللقاء الأول بينهما في المحل الضيق، شعرت إيلينا برعشة دافئة لم تعهدها منذ زمن بعيد.

بدأت جلسات العمل الشاقة لترميم اللوحة تتمدد لتبدأ معها أحاديث طويلة لا تنتهي. لم يكن أليخاندرو ينظر إليها كحجم في الفراغ أو كزوجة لمحامٍ مرموق، بل كان ينصت لآرائها، ويتأمل شغفها، ويسألها عن أحلامها التي دفنتها تحت ركام الحياة الزوجية الباردة. ولأول مرة منذ سنوات، شعرت إيلينا بأنها تُرى وتُسمع حقاً.

تطورت العلاقة بينهما بسرعة هادئة ولكنها جارفة، كأن نهر “ذو الحليفة” ينبعث مجدداً بينهما. بدأت إيلينا تخرج معه في جولات بين بساتين “العريف”، يتبادلان النظرات التي تختصر ألف كلمة، واللمسات العابرة التي كانت تعيد لها شعورها بأنها أنثى مرغوبة وقية بالحياة.

في أحد الأيام، جاءها اتصال من ماتيو من مدريد؛ كان صوته جافاً ومختصراً كالعادة، يعتذر عن عدم قدرته على الحضور في عطلة نهاية الأسبوع لالتزامه بعشاء عمل هام مع أحد كبار الموكلين. في تلك اللحظة بالذات، ونظرت إيلينا إلى الهاتف المظلم، أدركت الحقيقة الجريئة: لقد كان ماتيو يمارس الخيانة اليومية بحقها؛ خيانة الإهمال، وخيانة قتل المشاعر، والتخلي عن العهد غير المكتوب بالرعاية والاهتمام.

في تلك الليلة، تحت سماء غرناطة المرصعة بالنجوم، اختارت إيلينا أن تسير في الطريق الآخر. التقت بأليخاندرو في منزله المطل على قصر الحمراء المضاء. هناك، بين ظلال التاريخ ودفء الشموع، سلمت قلبها وجسدها للرجل الذي أعاد لها روحها.

لم تشعر إيلينا بأي ذنب أو ندم، بل شعرت بيقين غريب ينبت في أعماقها: أن ما فعلته لم يكن خيانة بمعناها المدنس، بل كان “استرداداً مشروعاً” لكرامتها وإنسانيتها التي استُنزفت على مذبح الإهمال والبرود. لقد كانت خيانة للعهد الميت، لتبدأ من جديد رحلة الوفاء لنفسها الحية.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك