برشلونة مظلوم
الكلام عن التحكيم وإطلاق الأحكام الجاهزة أمر في غاية السهولة؛ فبمجرد أن تجد فريقاً يحقق الفوز ويهيمن على مجريات الأمور، تبدأ الأقلام الحاقدة والألسنة المتربصة في التنقيب عن أي عوار مزعوم، وإذا لم تجد شيئاً حقيقياً، تبدأ فوراً في اختلاق الثغرات والإشارة إليها وكأنها كوارث مدمرة. ويا لها من متعة خبيثة للمنتقدين حين يتم استدعاء “لبانة نيجريرا” المتكررة، أو إسقاطات الشخصيات المتسلطة والمهووسة بالانتصارات الاستعراضية على طريقة مورينيو. أضف إلى ذلك بعض المشابل المألوفة في أروقة المنافسين، مثل خلافات غرف الملابس في مدريد، وحيرة البحث عن القائد الحقيقي فوق المستطيل الأخضر، وهلم جراً من التفاصيل التي تستهلك طاقات المحللين العبثيين.
لكن الشخص الذي يريد أن يكون منصفاً حقاً، بعيداً عن التعصب والعمى الجماهيري، هو من سيفتح عينيه ليبصر الجودة الكروية البحتة والتطور التكتيكي الملموس. فالمنصف هو من يلاحظ غياب ذلك التهور الدفاعي المستمر و”الاستبياع” العشوائي لخط الدفاع الذي عانى منه الفريق طوال السنتين الماضيتين. هذا الاستقرار النسبي جاء—سبحان الله—تزامناً مع توفر دكة بدلاء معقولة ومقبولة لأول مرة منذ سنوات طويلة، وهو ما يفسر لماذا كان المدرب هانزي فليك مصصماً على رفع خط الدفاع إلى أقصى نقطة ممكنة في الملعب، حتى أن أساطير بحجم فرانكو باريزي وباولو مالديني نفسيهما لو عادا للوراء ولعبا في هذا النظام المتقدم لكانا ظهرا بمظهر المكشوف لولا وعي المنظومة.
الطريف في الأمر أن هذا التطور المذهل لم يكن ليبلغ هذا العمق ولا هذا التأمين الأفضل مقارنة بالموسمين السابقين لولا وجود لاعب بحجم ومواصفات رودري. لقد تحول الفريق وكأنك جلبت كتيبة دفاعية كاملة لتعزيز منظومتك الخلفية بمجرد التعاقد مع لاعب يمتلك هذا البروفايل الفريد من الخبرة والصلابة. وإذا اشتدت الأزمات الدفاعية وتوالت الإصابات—كما هي العادة السنوية المؤلمة—فإن وجود ورقة بحجم رودري يمنح المدرب مرونة هائلة لترحيله إلى الخط الخلفي عند الضرورة، بينما يتكفل عودة دي يونج بتعويض النقص في المنتصف وحمل جزء من العبء.
وها قد مرت كل المباريات التي صنفها مشجعو ومحللو الخصوم تعسفاً على أنها “سهلة”، ليدخل برشلونة الآن في مواجهة أقوى سيستم ومنظومة في العالم، وأمام بطل أوروبا في آخر سنتين. الفريق الذي نال هذا الموسم حصة من المديح الإعلامي تفوق كثيراً ما ناله برشلونة، رغم أنه لم يقدم مباراة تليق سوى بنصف ساعة استغل فيها أخطاء المدرب ماريسكا، وما إن تم تصحيحها حتى عاودت الكفة اتزانها من جديد.
اعتقد حينها أن التقييم العادل للخصوم سيسقط في اختبار الواقع؛ فمن غير المعقول أن نقيم الفرق من نافذة مباراة لمدرب مثل مدريد يعاني من غياب أي سيستم أو نظام واضح، حيث يقتصر الجهد المبذول في المنظومة المدريدية بالكامل على مهارات أردا جولر الفردية في أرض الملعب، وصخب مورينيو، وتغريدات قناة النادي الرسمية في المواقع. الجودة الحقيقية تثبتها المستطيلات الخضراء لا أوهام الاستوديوهات الموجهة.


إرسال التعليق