قصة وعبرة للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي

محمد عبد الكريم يوسف

يحكى أن …… (2)

جزاء سنمار

قصة وعبرة للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي

يُحكى أن سنمار، مهندسًا بارعًا من بلاد الروم، استدعاه النعمان الأول بن امرئ القيس ملك الحيرة؛ ليبني له قصرًا عجيبًا يُعرف بـ«الخورنق» بظهر الكوفة. فحضر سنمار مع بنّائيه، وأعمل فكره، ورسم تصميمًا بديعًا: قصرًا على مرتفع قريب من الحيرة، تحيط به البساتين والرياض الخضراء، وتجري المياه من أعلى النهر في دائرة حول أرض القصر، ثم تعود إلى النهر من الجهة المنخفضة.

وبعد أن تم البناء على أجمل ما يكون، صعد النعمان وحاشيته ومعهم سنمار إلى سطح القصر. فأعجب الملك بالمنظر الخلاب وقال:

— ما رأيت مثل هذا البناء قط!

فأجاب سنمار بصدق المهندس الواثق:

— لكنني أعلم موضع آجرة لو زالت لسقط القصر كله.

فسأله الملك:

— أيعرفها أحد غيرك؟

قال سنمار:

— لا. ولو عرفت أنكم توفونني وتصنعون بي ما أنا أهله، لبنيت بناءً يدور مع الشمس حيثما دارت.

فاستقر في نفس الملك أنه لا يجوز أن يبقى حيًا من يعرف موضع هذه الآجرة، ومن يستطيع أن يبني أفضل من هذا القصر. ثم أمر بقذف سنمار من أعلى «الخورنق»، فانكسرت عنقه ومات.

ومنذ ذلك اليوم صارت العرب تضرب المثل فتقول:

»جزاؤه جزاء سنمار«

لمن يُجزى بالإحسان إساءةً.

دروس وعبر للشباب في عصر الذكاء الاصطناعي

1-الإحسان لا يُقابل بالإساءة

النعمان بنى قصرًا، لكنه هدم إنسانيته حين قتل من أبدع له.
وفي عصرنا: لا تقابل من علّمك، أو ساعدك، أو بنى معك مشروعًا، بالجحود أو السرقة أو التشهير.
من يقابل الجميل بالجحود، يخسر أجمل ما فيه قبل أن يخسر الناس.

2- لا تقتل من يعرف أكثر منك

قتل النعمان سنمار لأنه خاف من معرفته.
وبعض الناس اليوم يخافون من المبرمج، أو المهندس، أو صاحب الفكرة، أو حتى من الذكاء الاصطناعي نفسه.
لكن الحكمة ليست في قتل العقول، بل في احتضانها.
من يقتل المبدع، يبقى في ظلامه وحده.

3- احفظ سرّك، ولا تتباهى به أمام من لا تأمنه

سنمار كشف للملك أنه الوحيد الذي يعرف نقطة ضعف القصر، وأنه قادر على بناء ما هو أعظم.
فكانت معرفته سبب موته.
وتعلّم أن الكلمة قد تكون كنزًا، وقد تكون حبلًا إلى الهلاك.
في الإنترنت، لا تنشر كل ما تعرف، ولا تكشف أسرار مشروعك، ولا تفتح قلبك لمن لا يستحق الثقة.

4- الأجر حق، لا منّة

سنمار لم يطلب إلا ما يستحق.
لكن النعمان أراد أن يدفع له جزاء الخيانة.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي: وراء كل تطبيق، وكل نموذج ذكي، وكل خوارزمية، عقولٌ بشرية سهرت وتعبث.
فلا تظلموا المبرمجين، ولا تسرقوا أفكارهم، ولا تنسبوا جهدهم إلى غيرهم.
العدل أساس البناء، والظلم أساس السقوط.

5- الاحتكار بالقتل لا يدوم

ظن النعمان أن قتل سنمار يحفظ له القصر.
لكن الحقيقة أن القصر بقي، وبقي معه العار.
وفي عصرنا: لا يمكنك أن تحتكر المعرفة إلى الأبد.
المعرفة تنتشر، والعقول تهاجر، والأفكار تُولد من جديد.
من يظن أن قتل الإبداع يحميه، فإنه يحمي ظلمه فقط.

6- اجعل التقنية للبناء لا للهدم

سنمار بنى قصرًا، والنعمان هدم إنسانًا.
والذكاء الاصطناعي اليوم يمكن أن يبني مستشفى، أو يهدم سمعة، ويمكن أن يعلّم طفلًا، أو يضلّل شعبًا.
فاختر أن تكون ممن يبني: اكتب كودًا نافعًا، وصمّم تطبيقًا يخدم الناس، وانشر علمًا يرفع الأمة.

7- لا تفخر بما لم تصنعه

النعمان افتخر بقصر لم يبنه.
وكثيرون اليوم يفتخرون بمالٍ لم يكسبوه، أو نسبٍ لم يصنعوه، أو متابعين لم يأتوا بجهد.
الفخر الحقيقي أن تصنع، لا أن تملك.
وأن تبني، لا أن تهدم.

8- تذكّر “جزاء سنمار”

كل من يجازي المحسن بالإساءة، وكل من يسرق جهد غيره، وكل من يقتل الإبداع خوفًا منه، سيُذكر كما ذُكر النعمان:
قصةً في العار، ومثلًا في الجحود.

خاتمة:

يا شباب عصر الذكاء الاصطناعي،
أنتم تبون قصورًا من البيانات، وجسورًا من الخوارزميات، وعقولًا من السيليكون.
فلا تجعلوا الخوف يقتل بناة المستقبل، ولا الجحود يطفئ جذوة الإبداع.

من أحسن إليكم فأحسنوا إليه،
ومن علّمكم فلا تنكروا فضله،
ومن بنى لكم فلا تهدموا بنيانه.

واجعلوا شعاركم:

»جزاء الإحسان إلا الإحسان «

لا جزاء سنمار.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك