لن أهاجم الكورد لأثبت ولائي لحزب

أتحدّى مَن قرأ نصّين أو ثلاثة من نصوصي، وخصوصًا الإخوة الذين يتّهمونني بالوقوف مع حزب ضدّ آخر، أن يحدّد أين جعلت مصلحة حزب أعلى من كوردستان. أتحدّث باسمي، بوصفي جزءًا من حراك ثقافي وسياسي يضع الوطن فوق التنظيم، ويرفض استنزاف القضية في التآكل الداخلي؛ ذلك الاستنزاف الذي ظلّ من أخطر العوائق أمام قيام دولة كوردستان. ناقشوا ما كتبت، وحدّدوا موضع الانحياز؛ أم أنّ رفض ترديد اتهاماتكم صار دليلًا كافيًا عندكم؟ ما أواجهه يكشف مأزقًا يتجاوز شخصي، يُحاكَم الكاتب على مقدار خدمته للخصومة الحزبية، بدل أن يُناقَش على مقدار خدمته لحقوق شعبه.

حين أمتنع عن الدخول في سجالات الأطراف، فليس لأنني لا أرى أخطاءها؛ أرى ضخامة الأخطاء، وعجز بعض قياداتها عن التفكير خارج جغرافية التنظيم، وعن إدراك الفرق بين إدارة حزب وبناء دولة. هل تريدونني أن أستهلك كتاباتي في ملاحقة ضحالة كلّ قيادة لا ترى من كوردستان إلا مساحة نفوذها، ومن شعبها إلا جمهورها، ومن السياسة إلا إضعاف منافسها؟

أن تعرف كيف تنتزع موقعًا داخل حزب لا يعني أنك تعرف كيف تنتزع حقّ شعب. وأن تتقن الخديعة التنظيمية لا يعني أنك تمتلك وعي بناء الدولة. بعض القيادات بارعة في تقسيم المجتمع إلى موالين وخصوم، لكنها عاجزة عن جمع المختلفين على مصلحة قومية. ثم يأتي أتباعها ليطالبوا الكاتب بإكمال المهمة، هاجم خصمنا كي نصدّق أنك وطني! ونتذكّر كيف عبثت الأحزاب الرئيسة بالحراك الثقافي، وقسّمت رابطة الكتّاب والصحفيين الكورد وفق الولاءات، بعد عامٍ من إعادة تأسيسها، لفرض إملاءاتها. تحميلها مسؤولية تشتيت الحركة الثقافية ليس افتراءً؛ إنه كشفٌ لنهجٍ أراد الكاتب تابعًا، والمؤسسات الثقافية مكاتب حزبية تتلقّى الأوامر.

ويا إخوتي من الكتّاب الغارقين في الصراع الداخلي، لماذا يصبح الخطأ جريمةً عند الخصم وضرورةً عند الحليف؟ لماذا تُطالبون الكاتب بالشجاعة حين يهاجم الطرف الآخر، ثم تفتّشون في نيّته حين ينتقد طرفكم؟ النقد الذي يتغيّر معياره بتغيّر اسم الحزب دعاية، مهما ارتدى لغة الثقافة.

لا أمنح الإدارة الذاتية حصانةً باسم التضحيات، ولا المجلس الوطني الكوردي براءةً باسم المعارضة. تُحاسَب الأولى على سلطتها وحرياتها وشراكتها، ويُحاسَب الثاني على أدائه واستقلال قراره وفاعلية مشروعه. خطأ أحدهما لا يثبت صواب الآخر؛ ومَن لا يملك لتبرير عجزه سوى أخطاء خصمه، يعترف بأنه عاجز عن تقديم إنجاز يدافع به عن نفسه.

سأنتقد القمع والفساد والإقصاء والارتهان، وأسمّي المسؤول عنها؛ لكنني لن أحوّل محاسبة قيادة إلى حرب على جمهورها، ولن أحتفي بخسارة مكتسب كوردي لأنه يحرج حزبًا أختلف معه. الدفاع عن حقوق الشعب لا يبرّئ سلطته، ونقد السلطة لا يبيح الطعن بحقوق شعبها. هنا يُختبر الوعي الوطني، لا في عدد الاتهامات التي نتبادلها.

المؤلم أن شريحة من الأتباع تنخرط في هذا الاستنزاف معتقدةً أنها تدافع عن كوردستان. ترفع اسمها، وتطعن بقوتها؛ تهتف لوحدتها، وتبرّر إقصاء شركائها. والخارج يجد في هذه الخصومات ما يخفّف عنه كلفة مواجهتنا. الكارثة أن تصبح كوردستان هدفًا في الكلام، وضحيةً في الممارسة.

لن أصمت، ولن أستعير عداوات الأحزاب. سأطالب بمنع الاقتتال والتخوين، وضمان التعدد والمحاسبة، وبناء قرار مشترك يجعل حماية الناس وانتزاع حقوقهم أولوية عملية. لا نحتاج إلى عقيدة واحدة؛ نحتاج إلى التزام يمنع أيّ تنظيم من تعطيل القضية لحماية نفوذه.

كوردستان ليست جائزة للحزب الذي يهزم بقية الأحزاب. ومَن لا يستطيع التفكير خارج تنظيمه، لا يحقّ له مطالبة الكاتب باختزال وطنه فيه. سأواجه مَن ينكر حقوق شعبنا، وأحاسب مَن يستنزف قوته من الداخل؛ فهذا انحياز لكوردستان، مهما أزعج حُرّاس الولاء الحزبي

لن أجعل الإدارة الذاتية وطنًا بديلًا، ولا المجلس الوطني مقياسًا وحيدًا للوطنية. ولن أستعير من أيّ منهما خصومته لأثبت استقلالي. كوردستان أكبر منهما؛ ومَن يرفع اسمها ثم يصرف قلمه في استنزاف قوتها، عليه أن يراجع الفرق بين الدفاع عن القضية والدفاع عن موقع حزبه داخلها.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك