في عصر الوفرة… لماذا يزداد الحرمان؟

في عصر الوفرة… لماذا يزداد الحرمان؟

رشيد مصباح (فوزي)

–

اليوم الخميس، وهذا يعني يوم السوق الأسبوعي عندنا. لكنني، على غير عادتي، لم أذهب هذا الصباح لأشتري قليلًـا من البطاطا والبصل، كما جرت العادة؛ فلم يتبقَّ في جيبي ما يسمح لي بذلك، رغم كل الجهود التي أبذلها عادة للاحتفاظ ببعض النقود إلى هذا اليوم الذي أنتظره كل أسبوع.

وهكذا وجدتني جالسًا في البيت، في غرفتي بالذات، تلك التي احتضنتني وتحملّتني رغم كل شيء، أفكر في حالي وحال أمثالي من التعساء والمحرومين؛ كيف يشعر هؤلاء الذين تضيق بهم سبل العيش؟ وكيف يتدبّرون أمرهم في عالم يزداد بذخًا وإسرافًا، بينما يعجز بعضهم عن توفير أبسط ضروريات الحياة؟ وهل هناك ما يمكن أن يخفّف عنهم وطأة الفقر والحرمان، أو ينسيهم، ولو قليلًـا، همومهم اليومية؟

نحن نعيش عصرًا تضاعفت فيه القدرة على الإنتاج، بفضل تطور الآلات والتكنولوجيا، وأصبح الإنسان قادرًا على تصنيع أشياء كثيرة كانت، في الماضي، ضربًا من الخيال. ومع ذلك، فإن مشهد الطعام الملقى في القمامات، من أرغفة الخبز إلى الأطباق الممتلئة، أصبح مألوفًا في مجتمعات كثيرة. وفرة في جانب، وحرمان في جانب آخر؛ إسراف هنا، وعجز عن توفير القوت هناك.

فهل المشكلة في قلة الموارد، أم في طريقة توزيعها؟ وكيف يمكن لعالم ينتج كل هذه الخيرات أن يترك أناسًا فيه عاجزين عن شراء البطاطا والبصل؟

لقد أصبحنا نعيش في زمن كثرت فيه المغريات، وتعدّدت فيه وسائل الاستهلاك، حتى بات كثيرون يلهثون وراء ما يملكه الآخرون، لا وراء ما يحتاجون إليه فعلًـا. وكأن القناعة، التي كانت تُعدّ فضيلة، أصبحت عند البعض علامة على العجز، فيما صار التنافس على المظاهر والتباهي بالممتلكات جزءًا من حياة يومية لا تنتهي مطالبها.

إننا، بحق، نعيش عصر الفتن بامتياز؛ لا بسبب كثرة المغريات وحدها، بل لأن هذه المغريات تتزامن مع تفاوت اجتماعي صارخ، تتقاطع فيه الثروات الفاحشة مع الفقر المدقع؛ وقد يتقاطع المترف ومع لمحروم في الشارع نفسه، بل في العمارة نفسها، من دون أن يشعر أحدهما بما يعيشه الآخر.

ومع كل هذا التطور المادي والتكنولوجي، الذي أتاح للإنسان أن يستعيض عن أشياء طبيعية ببدائل مصنّعة، وأن يبتكر وسائل جديدة لإنتاج الغذاء، ما زلنا عاجزين عن تحقيق أبسط أشكال العدالة: ألّـا ينام إنسان جائعًا بينما يُرمى الطعام في القمامات.

لكن دعونا نترك التطور المادي جانبًا، ونقترب من الحالة النفسية للإنسان، وهي الوجه الآخر الذي لا يقل أهمية عن وجهه الاقتصادي.

من منا لا يحب حياة الرفاهية؟ ومن منا لا يتمنّى أن يعيش في بحبوحة، فلا يقلق بشأن ثمن الخبز، ولا يحسب حساب كل قطعة نقدية قبل أن يشتري حاجاته؟ وربما كان بيننا من يهوى البذخ، ويرى في كثرة ما يملك دليلًـا على نجاحه وسعادته.

لكن ماذا يحدث حين يحرم الفقر الإنسان من معظم ما يشتهيه؟ هل يقضي أيامه في الحزن على حاله، ويظل يقارن نفسه بمن هم أفضل منه حالًـا؟ وهل ينفعه الحزن إذا حزن، أو يعيد إليه ما افتقده من أسباب الراحة والطمأنينة؟ أم أن الحكمة تقتضي أن يبحث، ما استطاع، عما يرفع معنوياته ويمنحه القدرة على مواصلة الحياة؟

لا أطرح هذه الأسئلة لأدعو الفقير إلى الاستسلام لفقره، ولا لأقنعه بأن الحرمان خير من الرفاهية. فالحاجة موجعة، والجوع ليس درسًا تربويًا ينبغي للإنسان أن يتعلّمه، كما أن الكرامة لا ينبغي أن تكون ثمنًا يدفعه المرء مقابل البقاء على قيد الحياة.

لكن من قال إن المعاناة لا تحمل، أحيانًا، شيئًا يمكن أن نتعلم منه؟ أليس في الشدائد ما يكشف للإنسان حقيقة نفسه، ويجعله أكثر إدراكًا لقيمة أشياء كان يمرّ بها من قبل من دون أن ينتبه إليها؟ أليس من الممكن أن يعرف المحروم من الحياة ما لا يعرفه من عاش عمره محاطًا بكل أسباب الراحة؟

أحيانًا يضيق الحال بالمرء حتى يبلغ به اليأس مبلغًا يجعله يحسد الأموات على موتهم. ثم يعود إلى رشده، ويحاول أن ينظر إلى حياته من زاوية أخرى، فيسأل نفسه: كيف سيكون شعوري لو كنتُ في حال أفضل؟ وهل يشعر الإنسان فعلًـا بما يملكه ما دام يملكه، أم أنه لا يدرك قيمة النعمة إلّـا حين يفقدها؟

إننا قد نعتاد ما نعيش فيه، سواء أكان رخاءً أم شدّة، حتى يصبح المألوف جزءًا من طبيعتنا، فلا نعود ننتبه إلى تفاصيله. وقد يملك الإنسان أشياء كثيرة من دون أن يشعر بالسعادة، بينما يتشبّث آخر بأبسط أسباب الفرح، لأنها نادرة في حياته.

وهنا يبرز سؤال آخر: هل الذين يعيشون في الرفاهية والبذخ يدركون حقًّا ما يشعر به المحرومون؟ وهل يستطيع من لم يذق الجوع أن يتصوّر معنى أن يرى رغيف الخبز في متناول الآخرين، بينما يعجز عن شرائه لنفسه؟

قد يتقاسم الاثنان، المترف والمحروم، المكان نفسه، لكنهما يعيشان عالمين مختلفين تمامًا. أحدهما يفكر في اختيار ما يشتهي من الأطعمة، والآخر يفكر في كيفية الحصول على ما يسدّ به جوعه. أحدهما قد ينزعج لأن ما طلبه لم يكن على النحو الذي أراده، والآخر قد يكون كل ما يتمناه أن يجد ما يأكله.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نعتقد أن الغنى يجرّد الإنسان بالضرورة من الإحساس، أو أن الفقر يمنح صاحبه حكمة لا يملكها سواه. فبين الفقراء من يقسو قلبه، وبين الميسورين من يشعر بآلام الآخرين ويسعى إلى تخفيفها. ليست المسألة في مقدار ما نملك وحده، بل في قدرتنا على رؤية ما يعيشه غيرنا، وفي مقدار ما بقي فينا من إنسانية.

ثمة فكرة أخرى تخطر ببالي كلما تأمّلتُ أحوال المحرومين: أليس من الممكن أن تجعل المعاناة بعض الناس أقل تشبّثًا بالحياة، أو أقل خوفًا من الموت، حين تصبح الحياة نفسها سلسلة من الهموم التي لا تنتهي؟

قد يبدو هذا، للوهلة الأولى، نوعًا من التحرّر من الخوف، لكنه ليس بالضرورة أمرًا إيجابيًا. فالإنسان الذي لا يخشى الموت لأنه لم يعد يجد في حياته ما يستحق التمسك به، لا يكون قد انتصر على الخوف بقدر ما قد يكون بلغ درجة من الإنهاك واليأس تستدعي منا القلق عليه. فالفرق كبير بين من يتصالح مع فكرة الموت لأنه فهم طبيعة الحياة، ومن يتمنّى الموت لأنه لم يعد يحتمل أعباءها.

أتساءل فحسب، ولا أجزم.

ولعل هذه الأسئلة ليست جديدة. فقد عرف الفقراء والمحرومون، في عصور مختلفة، أشكالًـا متشابهة من المعاناة، ورفع الشعراء أصواتهم احتجاجًا على واقع لا يتغير بالسرعة التي يتغير بها العالم.

وتحضرني هنا قصيدة الشاعر المصري الكبير (حافظ إبراهيم)، «أيها المصلحون ضاق بنا العيش»، التي صوّر فيها معاناة الناس من الغلاء، وعجز الفقراء عن توفير قوتهم، ووجّه نداءً إلى المصلحين الذين انشغلوا بإصلاح الأرض وغفلوا عن النفوس التي أنهكها الفقر.

يقول حافظ إبراهيم:

أَيُّها المُصلِحونَ ضاقَ بِنا العَيـ
ـشُ وَلَم تُحسِنوا عَلَيهِ القِياما

عَزَّتِ السِلعَةُ الذَليلَةُ حَتّى
باتَ مَسحُ الحِذاءِ خَطباً جُساما

وَغَدا القوتُ في يَدِ الناسِ كَاليـ
ـاقوتِ حَتّى نَوى الفَقيرُ الصِياما

يَقطَعُ اليَومَ طاوِياً وَلَدَيهِ
دونَ ريحِ القُتارِ ريحُ الخُزامى

وَيَخالُ الرَغيفَ في البُعدِ بَدراً
وَيَظُنُّ اللُحومَ صَيداً حَراما

إِن أَصابَ الرَغيفَ مِن بَعدِ كَدٍّ
صاحَ مَن لي بِأَن أُصيبَ الإِداما

أَيُّها المُصلِحونَ أَصلَحتُمُ الأَرْ
ضَ وَبِتُّم عَنِ النُفوسِ نِياما

أَصلِحوا أَنفُساً أَضَرَّ بِها الفَقْـ
ـرُ وَأَحيا بِمَوتِها الآثاما

ثم يقول:

أَيُّها المُصلِحونَ رِفقاً بِقَومٍ
قَيَّدَ العَجزُ شَيخَهُم وَالغُلاما

وَأَغيثوا مِنَ الغَلاءِ نُفوساً
قَد تَمَنَّت مَعَ الغَلاءِ الحِماما

ما أشدّ وقع هذه الأبيات، وما أقربها إلى واقع لا تزال فيه شكوى الغلاء وضيق العيش حاضرة، رغم ما حقّقه الإنسان من تقدم في الإنتاج والصناعة والتكنولوجيا!

لقد تغيرت الوسائل، وتبدّلت أشكال الحياة، لكن السؤال الذي طرحه (حافظ إبراهيم) ما زال قائمًا: ما قيمة إصلاح الأرض إذا تُركت النفوس فريسة للفقر والعجز؟ وما جدوى الوفرة إذا لم تصل ثمارها إلى من يحتاجون إليها؟

ربما لا يملك المرء حلًّـا سحريًّا لهذه المفارقة، وربما لا تكفي الكلمات وحدها لتغيير الواقع. لكن الاعتراف بمعاناة المحرومين، وعدم تحويل فقرهم إلى تهمة أو التقليل من شأن آلامهم، يمثّلان بداية ضرورية لأيّ إصلاح حقيقيّ.

أما أنا، فقد أمضيت هذا الخميس في غرفتي بدلًـا من الذهاب إلى السوق. لم أشترِ البطاطا ولا البصل، لكنني وجدتُ نفسي أمام أسئلة أكبر من حاجتي إليهما. أسئلة عن عالم يزداد إنتاجًا، ولا ينجح بالقدر نفسه في توزيع الخيرات؛ وعن بشر قد يتجاورون في المكان، لكن المسافة بين عوالمهم تظل شاسعة.

ولستُ أدّعي أنني وجدتُ جوابًا شافيًا. كل ما أعرفه أن الفقر لا يُقاس بما ينقص الجيب وحده، بل بما يتركه في النفس من قلق وحسرة وشعور بالعجز. وأن الإنسان، مهما حاول أن يتعايش مع الحرمان، يظل من حقّه أن يحلم بحياة كريمة لا يحتاج فيها إلى تبرير جوعه، ولا إلى تحويل صبره على الحاجة إلى فضيلة مفروضة عليه.

فهل يمكن أن نعيش في عصر الوفرة من دون أن يبقى الجوع قدرًا لبعض الناس؟

سؤال أتركه مفتوحًا، مثلما تركتُ أسئلتي الأخرى مفتوحة. ولعلّ أول خطوة نحو الإجابة أن نتوقّف عن اعتبار الفقر شأنًا يخصّ الفقراء وحدهم، وأن ندرك أن مجتمعًا يعتاد فيه البعض البذخ، بينما يعجز آخرون عن شراء قوتهم، لم ينجح بعد في تحقيق المعنى الحقيقي للتقدم.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك