بروباغندا البطل الأوحد ومدرسة كامب ديفيد: حين سقطت السياسة في فخ إلغاء الآخر

معاذ سليمي

منذ الطفولة، تتربى الأجيال على سردية جاهزة ومغلفة بعناية البروباغندا الرسمية؛ سردية تُصور لنا الرئيس أنور السادات بوصفه “السياسي المحنك” الذي استطاع بعبقريته الفذة إنهاء الصراع المسلح، وإجبار إسرائيل على الانسحاب الكامل من شبه جزيرة سيناء عبر طاولة المفاوضات لا ساحات الوغى. غير أن هذه الرواية المبتسرة، على ما حملته من بريق بصري وسياسي، سقطت في أتون خطيئة استراتيجية كبرى وتجاهلت جانباً جوهرياً لا يقل خطورة عن معارك الحدود: كيف أدار السادات الجبهة الداخلية؟

الوجه الآخر للسياسة: إقصاء المعارضة وتسليط التطرف

بينما كان السادات يبرع في إدارة المفاوضات الدولية المكثفة مع أطراف كبرى مثل هنري كسينجر، ويبحر في كواليس الدبلوماسية السرية والعلنية، تعامل مع المعارضة الوطنية والسياسية بمنطق مغاير تماماً؛ منطق الصدام المباشر والإلغاء الشامل.

  • رفض الحوار الوطني: بدلاً من اللجوء إلى طاولات الحوار الوطني، أو حتى عقد جلسات تفاهم واحتواء سرية كما كان يفعل بحنكة مع الحلفاء الدوليين، اختار السادات طريق المواجهة الخشنة (أو ما يسمى شعبياً بالدخول “شمال”) مع كل صوت يرفض سياساته أو يتساءل عن مآلاتها.
  • شيطنة المخالفين: جرى إطلاق العنان لتيارات اليمين المتطرف المتعصب التي لا تؤمن بالحلول الوسط ولا تقبل الشراكة؛ فتحول المشهد السياسي إلى معادلة صفرية: “إما أن تكون معي، أو أنك ضدي تماماً”.
  • وصم الخصوم: تكتلت آلة التخوين لتلصق بالمعارضين تهم جاهزة تفصيلية؛ فكل من اعترض على مسار كامب ديفيد أو حذر من الانقلاب الاجتماعي والاقتصادي وُصم بأنه “ضد الإسلام، ضد الدولة الوطنية، شيوعي، عميل للقذافي، أو تابع للاتحاد السوفيتي”.

انقلاب الوعود وتناقض الشعارات

لقد وجد المجتمع المصري نفسه فجأة أمام نظام يتحرك عكس التيارات والوعود التي رُفعت قبل حرب أكتوبر المجيدة. فالناس الذين خرجوا لدعم الدولة في المعركة وتحملوا أوزار الحرب، كان يمنّون النفس بانفتاح ديمقراطي حقيقي وعدالة اجتماعية، فإذا بهم يواجهون مناخاً من القمع والتضييق، والاعتقال، والتعذيب، وتصفية الحسابات السياسية.

إن السياسة الحقيقية ورجال الدول الكبار لا يقاس نجاحهم فقط بما يحققونه على طاولات المفاوضات الخارجية، بل بقدرتهم على حياكة النسيج الداخلي، واحتواء التنوع، وبناء شرعية قائمة على التوافق لا على الاستئصال.

ختاماً

إن نهاية أي نظام سياسي يختار أن يعادي شعبه ومعارضيه، ويغلق الأبواب أمام أصوات النقد والاعتراض بدلاً من الإصغاء لمشاكله وهمومه، هي نهاية حتمية، بغض النظر عن حجم الانتصارات الدبلوماسية المؤقتة. فالسياسة بمعناها الأعمق تتطلب قائداً سابقاً لعصره، يدرك أن قوة الوطن الحقيقية تبدأ من الداخل، وأن حماية الجبهة الداخلية لا تكون بقمع الأصوات، بل ببناء وطن يتسع لكل أبنائه.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك