نافذة للضوء: حين يصبح التوقف هو أقصر طرق الوصول
كوثر نصر الدين
نكبر ونحن محملون بآلاف الشعارات التي تقدس الركض الدائم؛ كأن الحياة مسار سباقٍ لا يقبل التوقف، وأن أي استراحة هي بطاقة تعارف مع الفشل. يُلقننا العالم منذ الصفوف الأولى أن الحركة ديمومة، وأن البطء خيانة صامتة لطموحاتنا الكبرى. فنقضي أعمارنا ونحن نلهث خلف غاياتنا، نجلد ذواتنا على أبسط لحظات الخمول، ونتعامل مع الركود المؤقت وكأنه كارثة كبرى توشك على ابتلاع مستقبلنا.
لكننا ننسى، وسط زحام هذا الهروب الأبدي، حقيقة بسيطة وعميقة: الاستراحة ليس دليلاً على الاستسلام، والبطء ليس جريمة في حق الطموح.
الحياة ليست خطاً مستقيماً يتصاعد بلا توقف، بل هي إيقاع يشبه التنفس؛ قبضٌ وبسط، شهيقٌ وزفير، نشاطٌ وهدوء. الإنسان ليس ماكينة صُممت لتعمل بكفاءة مطلقة إلى أن ينفد وقودها دفعة واحدة. ومع ذلك، فإن أكبر خطيئة نقترفها بحق أرواحنا هي تلك المحاولة المستميتة لنبدو “بخير” طوال الوقت. أن نبتسم حين ننخرط من الداخل، وأن نتحمل الأثقال فوق كاهلنا ونجرّ خطواتنا بثباتٍ مزيف، فقط لكي لا يرانا أحد ونحن نتعثر.
هذا الضغط المستمر لإثبات الصلابة هو ما يخلق فينا ذلك التعب العقيم الذي لا يزول بالنوم.
إن التوقف الواعي لا يعني البتة أنك تنازلت عن أحلامك، بل يعني أنك تحترم الآلية التي تتحرك بها نحوها. فالشجرة لا تثمر إلا إذا منحت نفسها هدنة الشتاء الطويلة، لتخزن طاقتها في الأعماق بعيداً عن أعين العابرين. وحين تقرر فجأة أن تفلت زمام المراقبة الدائمة لنفسك، وتتوقف عن إرهاقها بمحاولة أن تكون “بخير” طوال الوقت، سيحدث شيء سحري ومفاجئ.
ستدرك أن المساحة التي تتركها بلا ضغط، هي ذاتها المساحة التي يتنفس من خلالها النور من جديد.
لا تقلق من التمهل، ولا تخف من لحظات الانطفاء المؤقتة؛ ففي تلك الزوايا الهادئة، حيث تتوقف عن الركض وتسمح لضعفك أن يتنفس بحرية، تبدأ الحقيقة بالظهور، ويعود النبض إلى مساراته الأولى أصفى وأدق وأكثر قدرة على مواصلة المسير بيقينٍ حقيقي، لا بلهثٍ مستعار.



إرسال التعليق