انت راضي بالقليل.. و القليل “ابن الوسخة” غير راضي عنك!
عبد الرحمن ابراهيمي
منذ نعومة أظفارنا، والمنظومة التربوية والإعلامية تُغذّي عقولنا بقصص القناعة والرضا باليسير. كبرنا ونحن نردد المقولة الشهيرة: “القناعة كنزٌ لا يفنى”. ولأننا جيلٌ مسالمٌ متصالحٌ مع قدره، قررنا أن نطبّق هذه الفلسفة بحذافيرها؛ فلم نطلب أبراجاً عاجية، ولا سيارات فاراهة، ولا حسابات بنكية متخمة بالعملات الصعبة. قلنا لنفسنا بتمام التواضع: “اللهم قليلٌ يكفينا، وسترٌ يغطينا، ولقمةُ عيشٍ تسدُّ الرمق”.
لكن، ما لم تحذرنا منه المأثورات الشعبية، وما أغفلته حِكَم الحكماء، هو تلك المفاجأة الكبرى التي يخبئها الواقع: أنك قد ترضى بالقليل.. والقليلُ ابنُ الوسخة يخونك!
الكوميديا السوداء في خيانة المتاح
إن خيانة “الأنصبة الكبيرة” مفاهيمُ نتقبلها منطقياً؛ فحين يخسر رجل أعمال ملايينه في البورصة، أو حين تحترق باخرة محملة بالبضائع، نفهم أن المخاطرة كانت عالية والأرقام ضخمة. لكن القهر الحقيقي—والذي يجعلك تتساءل عن العقلانية في هذا الكون—هو حين تخونك “الكسرة” التي ارتضيت بها قنوعاً!
تأمل معي هذا السيناريو اليومي: تشتري هاتفاً مستعملاً رخيصاً، شاشته مكسورة وذاكرته لا تتسع لأكثر من ثلاث صور، وتقول في سرّك: “الحمد لله، يعيشني ويقضي الغرض”. تتوقع أن هذا الجهاز البسيط سيعرف قدر تواضعك ويحترم شقاءك. لكنه بدلاً من ذلك، يقرر أن ينطفئ للأبد وأنت في منتصف مكالمة هامة، أو يرفض الشحن إلا إذا وضعت الشاحن بشريط لاصق تحت زاويتين وتسع درجات مئوية! أليس هذا غدراً صريحاً من قليلٍ امتننت له؟
أو تلك السيارة القديمة التي اشتريتها بدم قلبك، والتي يُفترض أن وظيفتها الوحيدة هي نقل جثمانك العظيم من البيت إلى العمل؛ ترفض الصعود في العقبة الأولى، وتنفجر عجلتها في اليوم المماثل للراتب، وتقرر أن تعطل “المكيف” في منتصف أغسطس! أنت لم تطلب سيارة ألمانية تتجاوز سرعة الصوت، طلبت حديدة أربعة عجلات لا تتركك في منتصف الطريق، لكنها أبت إلا أن تمارس عليك طقوس الغدر!
العلاقات والوعود: خيانة القليل العاطفي
لا يتوقف الأمر عند الماديات، بل يمتد بظلاله الساخرة إلى العلاقات الإنسانية. تخفض سقف توقعاتك إلى الأدنى، وتتخلى عن أحلام الفارس المرتدي للدرع الذهبي أو الصديق الوفي كأبطال الروايات. تكتفي بشخص عادي جداً، “على قد الحال”، لا يملك مهارات استثنائية ولا وسامة خارقة ولا ذكاءً إبرازياً، وتقول: “أهم شيء الأخلاق والبساطة”.
وفجأة، وفي أول اختبار لباقة أو وفاء، يمارس عليك هذا الكائن “البسيط” دراما النرجسية، ويختفي في أشد أوقات حاجتك إليه، أو يقرر أن “يتكبر” عليك أنت تحديداً! هنا تقف مذهولاً وتسأل السماء: “يا أخي، أنا تنازلت عن تسعة وتسعين بالمائة من المعايير لأجلك، حتى النسبة المتبقية قررت أن تبيعني بها؟!”
لماذا يتمرد القليل؟
في التحليل الفلسفي المظلم لهذه الظاهرة، يبدو أن “القليل” مصاب بمتلازمة الشعور بالنقص. حين يرى أنك ارتضيت به بسهولة، دون أن تتصارع معه أو تبذل جهداً خارقاً للحصول عليه، يفقد احترامه لك! يظن أن استكانتك وتواضعك هما دليل ضعف، فيقرر أن يمارس عليك سلطة الغدر ليثبت لنفسه أنه يملك خيارات أخرى.
إنها مفارقة ساخرة للغاية؛ فالكثير الفاخر قد يصمد ويحترم قيمته، أما القليل المحقور فيقفز من المركب عند أول موجة خفيفة، تاركاً إياك تصارع الشاطئ وحيداً.
خاتمة: كيف نتعامل مع “ابن الوسخة”؟
بعد هذه السلسلة من الخيبات القانعة، يصل المرء إلى نتيجة استراتيجية واحدة: إذا كان الغدر والخيانة قدرين محتومين، فلتُخن على مستوى رفيع!
لا ترضَ بالقليل بعد اليوم خوفاً من الفشل، لأن الفشل في القليل مضاعَف الوجع ومضحك للآخريين. إذا كان مقدراً لقلبك أن ينكسر، فليكن من شخص يستحق العناء؛ وإذا كان مقدراً لسيارتك أن تتعطل، فلتكن على الأقل سيارة يلتفت إليها الناس وهي تتوقف! أما أن تخسر هيبتك وراحتك ونقودك لأجل شيء لم يكن يعجبك أساساً.. فهذا هو القهر الذي لم تكتب فيه المعاجم بعد!



إرسال التعليق