سنوات الندم.. حاربت أبي من أجل أمي.. فواجهني ابني بعد 25 سنة
معاذ سليمي
تُبنى الذاكرة الإنسانية على محطات كبرى نختار فيها صفوفنا بحماس أعمى، ظانين أننا نمتلك الحقيقة المطلقة، وأننا ننصر الحق المبين. لكن الأيام دارت دورتها الكاملة، وانقلبت عجلة الزمن لأقف اليوم في ذات المكان، لكن من الجهة المقابلة للمنصة. خمسة وعشرون عاماً مضت كفيلة بأن تحول بريق الحماس الشبابي إلى رماد نادم، بعد أن واجهني ابني بذات الكلمات والحدة التي واجهت بها أبي يوماً.
الفصل الأول: شعلة التمرد القديمة
كنت في الثالثة والعشرين من عمري حين اشتعلت الحرب الباردة، ثم الساخنة، تحت سقف بيتنا العائلي. كانت أمي تشكو طوال سنوات صمتها من قسوة أبي، وجفافه العاطفي، واستبداده بالقرار. كنت أرى دموعها خناجر تغرز في صدري، فأنصب نفسي فارساً وحيداً لمن لا سند لها.
لم أكتفِ بالتعاطف، بل تحولت إلى محامٍ شرس ومقاتل عنيد. وقفت في وجه أبي مراراً، رفعت صوتي في وجهه باسم “العدالة” و”إنصاف المظلومة”، متجاهلاً هيبته وسنوات تعبه وكهولته التي كانت تتداعى أمام عيني. كنت أؤمن يومها أنني بارّ بأمي، وأن عقوق الأب المستبد ليس إلا فضيلة دفاع عن الضعيف.
حين أصررت على فصل حياتهما، ووقفت إلى جانب أمي في معركة الطلاق وتقاسم السبات، شعرت بنصر وهمي غامر. غادر أبي البيت منكسراً، وخلفت وراءنا بيتاً هُدمت أركانه. باركت أمي صنيعي، وقبلت جبيني، متخذة مني سنداً و”رجلاً” بديلاً عن زوجها. لكن الندم لا يزور القلب فوراً، بل ينتظر أن تنضج ثمار أفعالك في صمت.
الفصل الثاني: المرآة المرة.. حين يرتد الصدى
مرت السنين، تزوجت، ورُزقت بطفل أسميته على اسم أبي الراحل. كبر الصغير وأصبح شاباً في مثل سني يوم تلك المعركة. وبدأت جدران بيتي تهتز على وقع خلافات زوجية لا تنتهي بيني وبين زوجته؛ خلافات طبيعية في جوهرها، لكنها تحولت إلى ساحة معركة بفضل تراكمات الضغوط.
وذات ليلة شتوية عابسة، انفجر الموقف. كانت زوجتي تبكي في ركن الغرفة، فدخل ابني الشاب، وعيناه تشتعلان بغضب وازدراء لم أعهدهما فيه. وقف أمامي، ورفع إبماً متهماً، وصرخ بكلمات كادت أن توقف قلبي في مكانه:
- “كفى ظلماً لها! أنت لا تحترمها، ولا تستحق أن تكون زوجاً لها.. إنها تموت قهراً كل يوم بسببك، ولن أسمح لك بأن تدمر حياتها كما فعلت غيرك!”
ذهلت. لم أسمع صوت ابني، بل سمعت صوتي أنا قبل خمسة وعشرين عاماً. كان وجهه مرآة مطابقة لوجهي الشاب، وكانت كلماته نسخة كربونية من طعناتي لأبي. في تلك اللحظة المجمدة من الزمن، سقطت الأقنعة وتهاوت كل مبررات الماضي.
الفصل الثالث: الحقيقة المرة في قاع الكأس
لم يكن أبي شيطاناً، ولم تكن أمي ملاكاً بريئاً بالمطلق؛ لقد كانت الحياة الزوجية تعقيداً بشرياً لا يُحل بالتدخلات الفظة ولا بكسر هيبة الآباء. لقد علّمت أمي أن تستقوي بي على زوجها، فنزعت منها ومني بركة الاستقرار. وها أنا أتجَرّع نفس الكأس المرة؛ كأس الولد الذي ينصب نفسه قاضياً على أبيه، وينزع عنه إنسانيته وكرامته باسم الانتصار للطرف الآخر.
أدركت متأخراً جداً أن الأبناء لا ينبغي أن يكونوا قضاة في غرف نوم أمهاتهم وآبائهم، وأن التدخل في الخلافات الزوجية للوالدين – مهما كانت الدوافع نبيلة – هو جريمة عاطفية تهدم أساس البيت من حيث لا يدري الفاعل.
نظرت إلى ابني المرتجف غضباً، فلم أجد في قلبي غضباً عليه، بل وجدته يغلي بندم أحرق روحي. أردت أن أقول له: “لا تقترف خطيئتي.. لا تحارب أباك من أجل أحد، فالأيام ستدور، وستقف يوماً مكاني لتكتشف أنك لم تنصر أحداً، بل كسرت عمود بيتك بيديك”.. لكني لم أستطع النطق، فاكتفيت بدمعة حارقة سقطت بصمت، وأدركت أن العقوق أشكال، وأن أثقل أنواع الندم هو ذلك الذي يأتي متأخراً بعد فوات الأوان.



إرسال التعليق