حتى لا يقول الناس إنني قتلت القتيل ولم أمشي في جنازته!
عزام مالك
يا هلا بالجمهور الكريم، ويا مرحباً بالفضوليين الذين أدمنوا متابعة صفحات الحوادث. اسمعوني جيداً، فأنتم لا تعرفون أصول اللعبة! بعض الناس، هدامو الذمم، يسرعون باتهامي بالباطل وبجحود الأصول لمجرد أنني اخترت أن أريح “المرحوم” من عناء الحياة الدنيوية بضربة سكين رشيقة في منتصف الليل. هل يُعقل أن يظن بي الناس ظن السوء؟ هل ترونني شخصاً بلا ضمير، بلا أخلاق، أو بلا ذوق عام؟
معاذ الله!
أنا يا سادة لست كمجرمي العصور الوسطى الهمج الذين يغتالون الضحية ثم يفرون إلى جبال الأطلس بلا عودة. أنا مجرم “كلاسيكي”، أمتلك من أصول الصنعة ما يجعلني ألتزم بالبروتوكول الاجتماعي بحذافيره. ولهذا السبب تحديداً، وحين أزلت ذلك الرفيق العزيز من المعادلة السكانية للحي، لم يكن أمامي خيار سوى تطبيق القاعدة الذهبية الخالدة: “اقتل القتيل وامشِ في جنازته”.. بل وكنت أنا حامل النعش الأول، يداً بيد مع أشقائه الذين كانوا يبكون بحرقة وهم لا يدور في خلدِهم أبداً أن من يواسيهم هو نفس الكائن الذي أرسل فقيدهم إلى الدار الآخرة بواسطة مفك براغي صدئ!
أصول الجريمة.. والأخلاق المهنية!
يا إخواننا، العشوائية في الإجرام عيب، والقتل بلا ذوق قلة أدب. عندما قررت أن أنهي صلاحية “المرحوم” (الذي كان، للحق، عثماً في طريقي ومصدراً للإزعاج)، جلست مع نفسي جلسة مصارحة ضمير. سألتها: يا فلان، هل يرضيك أن تزهق روح هذا المسكين ثم تجلس في البيت تتابع مباريات الدوري وكأن شيئاً لم يكن؟ ألا يشعر أهل الميت بغصة إذا لم يجدوا صديقه الوفي يقف في الصف الأول للتعزية؟
بلا شك! الأصول تحتم الواجب. والجريمة الناجحة هي التي تمتزج بالعمل الاجتماعي الخيري. لذلك، بعد أن أفرغت محتويات بطنه، غسلت يدي جيداً، وارتديت أفضل عباءة سوداء لدي، وتعطرت بعطر العود الملكي الثقيل، وذهبت إلى المقابر باكرًا.
لقطات من موكب الدفن.. الكوميديا السوداء بعينها
هل تتخيلون الموقف؟ أنا.. أنا بذات نفسي، الذي كنت قبل اثنتي عشرة ساعة أتفاوض مع روحه لكي تغادر الجسد بهدوء، أقف الآن على حفرة القبر مرتدياً نظارات سوداء داكنة (ليخال الناس أنني أبكي بغزارة، بينما كنت في الواقع أحاول أن أتذكر هل أقفلت باب السيارة أم لا)، وأردد بصوت خاشع ومبحوح: “لا حول ولا قوة إلا بالله.. كان رجلاً طيباً، ويا لطيف ما أسرع الأجل!”
بل والأدهى من ذلك أن شقيق المرحوم, ذلك المسكين الذي أكلته الدموع، التفت إليّ دامع العينين وقال بصوت مخنوق: — “يا أبو حميد.. أخي كان يحبك كثيراً، وكنتم لا تفترقان!” فكدت أرد عليه وأقول: “يا سيدي، ولم نفترق الآن أيضاً، فروحه ما زالت تحوم فوق رأسك، وأنا السبب المباشر في هذا اللقاء الروحي العظيم!”.. لكنني تمالكت نفسي، ووضعت يدي على كتفه بحنان أبوي مزيف، وقلت له بعينين يترقرق فيهما الدموع (المصطنعة): “اصبر يا أخي، الدنيا فانية، وكلنا على هذا الطريق.. وإن شاء الله آخذ بثأره.. قصدي.. أحتسبه عند الله!”
لماذا هذه المسرحية كلها؟
يسألني بعض الشياطين من زملائي في المهنة: “يا زلمة، لماذا تعذب نفسك بالوقوف تحت الشمس الحارقة وحمل النعش؟ ألم يكن أسهل لك أن تختفي أسبوعين حتى تههد العاصفة؟”
فأجبتهم بكل ثقة واعتزاز: “يا جهلة، أنتم لا تفهمون نفسية المجتمع! إذا اختفيت، سيقولون: هارب! وإذا لم أظهر في العزاء، سيقولون: هو الفاعل! أما إذا مشيت في الجنازة، ووزعت التمور على المصلين، وتبرعت بخيمة العزاء، وأهلت التراب على القبر بنفسي.. فلن يجرؤ مخلوق على توجيه أصابع الاتهام إليّ! بل على العكس، سيقول الناس: يا مسكين، فقد صديقه العزيز وهو في حالة صدمة نفسية لا يعلمها إلا الله!”
يا من تمارسون المهنة بدون شهادات أخلاقية: اتقوا الله في الجريمة! لا تكتفوا بإزاحة الأرواح فحسب، بل ارتقوا بأساليبكم. كونوا مجرمين ذوي وجوه متعددة، يجمعون بين احترافية التخلص من الخصوم، ورقة المشاعر في تشييع الجنازات.
أما أنا.. فسأعود الآن إلى بيتي، لأخلع العباءة السوداء، وأغسل يدي جيداً من تراب القبر ومن آثار العمل الجاد، وأستعد بحمد الله لاستقبال العزاء في نفسي، تحسباً لليوم الذي سيكتشف فيه المحقق الغبي أنني قلت القتيل.. ومشيت في جنازته بكل فخر واعتزاز!



إرسال التعليق