من هو جمهور حياتك الحقيقي
أسماء شاهر
نقضي سنوات طويلة من عمرنا ونحن نبحث عن التصفيق في عيون الآخرين. ننتظر كلمة استحسان، أو نظرة إقرار، أو شهادة نجاح تُعلق على جدراننا الخارجية لكي نشعر بأننا قد انجزنا شيئاً يستحق. نربط قيمتنا وفرحتنا بما يقوله المحيطون بنا، متسائلين دوماً: هل أعجبهم ما قدمناه؟ هل نحن مقبولون في نظرهم؟
غير أن الوعي الحقيقي والنضج العميق يصدمانك بحقيقة مغايرة تماماً، وهي تلك التي تختصرها العبارة الواعية: أحيانًا يكون أعظم جمهور لك… هو النسخة التي أصبحتها.
فما الذي يعنيه أن تقف لتصفق لنفسك؟ ولماذا تصبح نظرة الرضا الذاتي أثمن بكثير من كل أصوات العالم الخارجي؟
أولاً: وهم التصفيق الخارجي.. عندما ترهن فرحتك بالآخرين
حين ترهن سعادتك وتقديرك لذاتك بمدى إعجاب الآخرين بك، فإنك تحكم على نفسك بسجن أبدي من القلق. فالناس غالباً ما ينظرون من ثقوب مصالحهم، ويحكمون بقوالبهم الجاهزة، وربما لا يدركون أبداً حجم المخاض والدموع التي استغرقتها لتصل إلى ما أنت عليه اليوم. إن انتظار التثمين من الخارج يشبه من يرتدي ملابس لا تناسبه فقط ليلفت انتباه المارة؛ تفقد هويتك وتتعب روحك في إرضاء جمهور لا يعنيه أصلاً سوى انعكاس صورته هو.
—.
ثانياً: مخاض التغيير.. حين تلتقي بنسختك الأقوى
أعظم معركة خضتها في حياتك لم تكن تلك التي انتصرت فيها على خصم خارجي، بل كانت تلك التي هزمت فيها نسخة الأمس الخائفة، المترددة، والمقيدة بالأعذار. النسخة التي أصبحتها اليوم—بعد كل تعثر، وبعد كل ليلة مظلمة واجهتها وحدك، وبعد كل مرة نهضت فيها من تحت رماد الإحباط—هي تحفة فنية صنعتها يد الصبر والعزيمة. هذه النسخة تعرف جيداً كم كلفك هذا الثبات، وتدرك تماماً قيمة كل ندبة تزيّن روحك.
ثالثاً: صمت القاعة.. وتصفيق الروح الخالص
حين تلتفت إلى الوراء وتنظر بصدق إلى المسافة الهائلة التي قطعتها، ستدرك أنك لم تعد بحاجة إلى ضجيج القاعة ولا إلى تصفيق المارة. يكفيك أن تقف أمام مرآة روحك وتدرك أن الإنسان الذي تقابله اليوم هو شخص ناضج، شجاع، ومكتفٍ بذاته. إن الرضا الداخلي والفخر الصامت الذي تشعر به وأنت ترى نفسك قد أصبحت أخيراً تتجسد بالشكل الذي طالما حلمت به، يمثل أطهر وأعظم جمهور يمكن أن تحظى به في رحلتك كلها.
توقف عن استجداء التصفيق من قلوب عابرة لا تستطيع حتى تبصر حقيقتك. التفت إلى الداخل، وانظر بكل فخر إلى تلك النسخة القوية المتزنة التي أصبحتها اليوم. صفق لنفسك، واحتفِ بانتصاراتك الصغيرة والكبيرة؛ فأنت وحدك من عرف تفاصيل الطريق، وأنت وحدك الجمهور الأحق بتقدير هذا الصعود العظيم.



إرسال التعليق