سجن الأبواب المغلقة.. لماذا تكره الزوجة زوجها وترفض الطلاق؟

كريمة حسناوة

حين يتحدث الناس عن انهيار الحياة الزوجية، تفترض البساطة السطحية أن الحل الطبيعي والمنطقي لأي كراهية مستحكمة هو الطلاق الفوري. فالمعادلة تبدو للوهلة الأولى واضحة: بغضٌ يعقبه انفصال، ثم بداية جديدة لكل طرف. لكن الواقع الاجتماعي والنفسي أشد تعقيداً وقسوة بكثير من صرامة المعادلات الحسابية.

الكثير من الزيجات تواصل مسيرتها عبر عقود طويلة من الزمن، لا يجمعها حب ولا مودة، بل يغلف جدرانها صقيع الكراهية والنفور التام. والمفارقة المؤلمة أن الزوجة، التي تحمل في صدرها طوفاناً من الجفاء وربما الاحتقار لشريك حياتها، هي نفسها التي تقف بحزم رافضةً خيار الطلاق، ومتمسكة بالبقاء في قفص الزوجية المنهار.

فلماذا تختار المرأة العيش في هذه الغرفة المظلمة؟ ولماذا تكره زوجها بشراسة بينما تستميت في رفض حريتها؟

1. خوفاً من نظرة المجتمع وعار “المطلقة”

في مجتمعاتنا التي لا تزال تحمل إرثاً ثقيلاً من الأحكام المسبقة، تظل كلمة “مطلقة” توبخ المرأة في كل خطوة تخطوها. تتحمل الزوجة قسوة زوجها ومرارة العيش معه في السر، أهون عليها بآلاف المرات من مواجهة نظرات الشك، والوصم الاجتماعي، والاتهامات الجاهزة التي يوزعها محيط عائلي ومجتمعي لا يرحم. تفضل أن تُعاني بصمت خلف باب مغلق على أن تخرج إلى النور لتحمل وساماً اجتماعيّاً ثقيلاً لا مبرر لها فيه سوى أنها أرادت الحياة.

2. معركة الأبناء.. التضحية بالذات في ممر الضحايا

حين توجد ثمرة للزواج، تتغير قواعد اللعبة تماماً. الأمهات يملكن قدرة فائقة على ابتلاع الكراهية وتحمل الجحيم من أجل حماية أطفالهن. تخشى الزوجة أن يضيع الأبناء في زحمة التشتت الأسري، أو أن يدفعوا ثمن طلاق قد يحرمها حضانتهم، أو يعرضهم لظروف معيشية ونفسية قاسية. إنها تقرر أن تبقى “زوجة على الورق” لتكون أماً حامية في الواقع، محتملة قسوة الرجل لكي لا يتجرع أطفالها مرارة الضياع.

3. العجز المادي والخوف من المجهول الاقتصادي

الاستقلال المالي ليس متاحاً لكل النساء؛ وحين تفتقر الزوجة لمدخول خاص أو وظيفة تحميها، يصبح قرار الطلاق قفزة في مجهول مرعب. الكراهية وحدها لا تدفع فواتير الكهرباء ولا تُطعم الأبناء. تعجز المرأة أحياناً عن اتخاذ قرار الانفصال لأنها تعلم أنها ستتحول إلى عالة على أهل أو بيئة لا تستطيع احتمال أعبائها المادية، فتفضل البقاء تحت سقف رجل تكرهه، على أن تواجه شظف العيش والجوع ومذلة السؤال في الخارج.

4. الرهان على التغيير المستحيل وتأجيل الانهيار

الإنسان بطبعه كائن أمل، وحتى في أعمق درجات الخيبة واليأس، تظل المرأة تعلق آمالاً واهية على أن شيئاً ما سيتغير؛ ربما يكبر الأبناء فيتغير السلوك، ربما تلين القلوب مع التقدم في العمر، أو ربما تتبدل الظروف. هذا التشبث بالأمل الزائف يجعلها ترجئ قرار الطلاق يوماً بعد يوم، سنة بعد سنة، حتى يمر العمر وتجد نفسها قد اعتادت العيش في سرداب الكراهية دون أن تقوى على المغادرة.

5. عقاب الصمت.. حين تصبح البقائية أسلوب انتقام

في بعض الحالات النفسية المعقدة، تتحول الكراهية إلى رغبة خفية في الاستمرار كنوع من العقاب. تدرك الزوجة أن خروجها من البيت قد يريح الرجل، أو يمنحه فرصة لحياة جديدة، فتختار البقاء لتكون “الشوك” الدائم في حلقه، والتذكرة الحية الدائمة بذنوبه. إنها تبقى لتعكر عليه صفو حياته، وتدير المنزل ببرود جليدي يفرضه عليها الألم، محوّلة الزواج إلى سجن مشترك يعذبان فيه بعضهما البعض.

المرأة لا ترفض الطلاق لأنها سعيدة بحياتها، ولا تستمر في الكراهية عبثاً. إنها تفعل ذلك حين تزن الخسائر فتجد أن ثمن البقاء رغم مرارته أقل بكثير من فادحة الانفصال. إنها تحرس بيتاً مهجوراً من الداخل، لأن البديل كان خارج الأسوار جحيماً لا يقل قسوة، وفي هذا الصمت الطويل تتجلى أقسى معارك التضحية والوجع الإنساني الخفي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك