تحليل كامل لطريقة و أسلوب لعب المدرب الجزائري ابراهيم حمداني

بهلول يوسف (الجزائر)

حين يتولى مدرب جديد مقاليد قيادة العارضة الفنية للمنتخب الجزائري، فإن الأمر لا يُقرأ بوصفه مجرد تغيير عابر على مستوى الإدارة الفنية، بل يُنظر إليه كزلزال وجداني يمسّ ملايين الأنصار الذين يختزلون هويتهم وكرامتهم في ركض “محاربي الصحراء” على المستطيل الأخضر. ومع تولي إبراهيم حمداني مسؤولية قيادة المنتخب الوطني خلفاً لفلاديمير بيتكوفيتش، ووسط معسكرات أولية سعت لرسم المعالم الأولى للمرحلة (تخللتها مواجهات مثل بوروندي والنيجر)، تجد التحليلات التكتيكية نفسها أمام محطة حرجة ومثيرة لتفكيك فلسفة اللعب الجديدة والوقوف على طبيعة التحولات الهيكلية التي يعتزم المدرب فرضها على الخضر.

أولاً: من صلابة الارتكاز إلى براغماتية التخطيط.. الهوية المستعادة

عُرف إبراهيم حمداني طوال مسيرته الميدانية كلاعب وسط دفاعي من الطراز الرفيع (في أولمبيك مرسيليا وغيره)، يمتلك تلك الرؤية الشاملة للملعب وقدرة فائقة على قراءة تحركات الخصم وإجهاض الهجمات في مهدها. هذه الخلفية كـ “قائد في منطقة العمليات الصعبة” انعكست بشكل جلي على بوادر مشروعه التكتيكي مع المنتخب الوطني.

فبعد فترة عانت فيها المنظومة الدفاعية للخضر من هشاشة واضحة وتفكك في الخطوط الخلفية خلال مرحلة بيتكوفيتش، يسعى حمداني إلى إرساء صلابة هيكلية تبدأ من خط الوسط. التكتيك الأساسي الذي تظهر ملامحه يعتمد على تأمين المساحات بين الخطوط، وإغلاق الطرق المؤدية إلى قلب الدفاع عبر تثبيت لاعبي ارتكاز ذوي أدوار مزدوجة؛ يمنعون التحولات العكسية السريعة للخصوم، ويبدأون في الوقت ذاته عملية بناء الهجمة من الخلف بلمسات قليلة وأكثر أماناً.

ثانياً: بناء اللعب من الخلف وحل معضلة “الضغط العالي”

واحدة من أبرز المعضلات التي واجهت الجزائر في السنوات الأخيرة كانت تتمثل في كيفية الخروج بالكرة تحت ضغط مكثف من منتخبات تقفل الوسط بعناية. في فلسفة حمداني التكتيكية، لم تعد الطريقة العشوائية المتمثلة في التشتيت الطويل للكرة حلاً مقبولاً.

يعتمد المدرب الجديد على الخروج المدروس بالكرة (Build-up) عبر إشراك أحد الأظهره في العمق أو نزول لاعبي الارتكاز لسحب ضغط الخصم وفتح ممرات تمرير عمودية نحو خط الوسط الهجومي. هذا النهج يهدف إلى استعادة السيطرة على إيقاع اللعب، لكنه في المقابل يفرض محاذير قاسية؛ فأي خطأ في التمرير القصير بمنطقة الدفاع يعني انفراداً مباشراً بالمرمى. هنا يظهر التحدي الحقيقي أمام حمداني لترسيخ هذا الفكر دون الوقوع في فخ الأخطاء الفردية القاتلة.

ثالثاً: الأجنحة والتحولات السريعة.. استغلال السرعات الفردية

الكرة الجزائرية عبر تاريخها لم تكن أبداً بمعزل عن سحر الأطراف وسرعة التحول من الدفاع الهادئ إلى الهجوم الكاسح. في خطط حمداني، تبرز محاولة إعادة الاعتبار للأجنحة الحركية التي لا تقتصر مهامها على إرسال العرضيات العشوائية، بل تتعداها إلى العمق التكتيكي ودخول المنطقة (Inverted Wingers) لخلق تفوق عددي بجانب المهاجم الصريح.

التركيز على الكرات الطولية المرسومة بدقة خلف مدافعي الخصم، واستغلال المساحات الشاغرة خلف أظهره الفرق المنافسة، يُعد السلاح الأبرز في الهجمات المرتدة للخضر تحت إشراف طاقم يضم أسماء ميدانية مخضرمة (مثل عنتر يحيى وموسى صايب) تفهم جيداً جينات الكرة الإفريقية وصراعاتها البدنية والذهنية.

إن تكتيك إبراهيم حمداني مع المنتخب الجزائري لا يزال في مرحلة المخاض والبناء الميداني، وهو يترجح بحذر بين صرامة المدرسة التكتيكية الأوروبية التي تربى فيها تدريبياً، وبين الروح والاندفاع الإفريقي الذي تفرضه أدغال القارة السمراء. النجاح أو الفشل لن يحسمه الرسم التكتيكي على الورق (سواء 4-3-3 أو 4-2-3-1)، بل مدى قدرة اللاعبين على استيعاب فكرة الانضباط الصارم، وكيفية مزج المهارة الفردية المطلقة بصلابة المنظومة الجماعية. الأيام القادمة وحدها ستكشف إن كان حمداني سيقود الخضر إلى بر الإمان، أم أن مقصلة التوقعات الجماهيرية ستعجل بحكاية أخرى في سجل المستديرة المضطرب.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك