أرض الأنبياء ومسرح الملاحم: “فلسطين” في الميزان الإلهي!!

منذ فجر التاريخ، والقلوب تهفو نحو أرض لم تكن يوماً مجرد حدودٍ جغرافية ترسمها الخرائط، بل هي آية من آيات الكتاب المكنون، وبقعة اصطفاها رب العزة لتكون مهبطاً للوحي، ومسرى للأنبياء؛ تلك الأرض المباركة هي (فلسطين)، التي تشابكت فيها خيوط التاريخ الغابر بنبوءات المستقبل القادم!!.

في هذا المقال، نرحل سوياً عبر صفحات النور والملحمية، لنستكشف الأهمية الاستثنائية والقدسية البالغة لهذه الأرض في الميزان الإلهي؛ من الركعات الأولى نحو قبلتها، إلى رحلة الإسراء التي عرجت بنبينا ﷺ إلى السموات العُلى، وصولاً إلى فصول الملاحم الكبرى التي جعلت من ترابها الطاهر مسرحاً لخلاص البشرية وهلاك قوى الطغيان في آخر الزمان!!

لم تكن (فلسطين) يوماً مجرد بقعة جغرافية عادية على خارطة العالم، بل اختصها الله سبحانه وتعالى بقدسية عُلـْوية جعلت منها محوراً للتاريخ البشري، ومركزاً لرسالات السماء، والمسرح الأوحد الذي تُحسم فوق ترابه أعظم ملاحم نهاية الزمان.

إن تأمل المحطات التاريخية والمستقبلية التي ارتبطت بهذه الأرض المباركة يكشف عن عمق مكانتها عند الله تعالى، وكيف جُعلت مقياساً لصعود الأمم وهبوطها، فهي:

أولا … القبلة الأولى وثاني البيتين وَضْعاً:

تتجلى مكانة (فلسطين) في وجدان الأمة الإسلامية منذ الركعات الأولى للرسالة؛ إذ جعل الله تعالى المسجد الأقصى المبارك قبلة المسلمين الأولى، والوجهة التي ولى إليها النبي ﷺ والمسلمون وجوههم في صلاتهم طيلة العهد المكي ونحو سبعة عشر شهراً بعد الهجرة النبوية إلى المدينة المنورة، قبل أن ينزل الأمر الإلهي بالتحول نحو الكعبة المشرفة.

هذا الاختيار لم يكن عابراً، بل جاء ليؤكد أن المسجد الأقصى هو امتداد للمسجد الحرام؛ فهو ثاني مسجد وُضع في الأرض لعقيدة التوحيد بعد بيت الله الحرام بأربعين سنة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولاً؟ قال: “المسجد الحرام”، قال: قلت: ثم أي؟ قال: “المسجد الأقصى”، قلت: كم بينهما؟ قال: “أربعون سنة”، ومن هنا ارتبطت قدسية الأقصى بقدسية الحرام، وأصبح أحد المساجد الثلاثة الوحيدة في الإسلام التي تُشد إليها الرحال، كما قال ﷺ: “لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى”.

ثانيا … مسرى النبي ﷺ وبوابة السماء:

تبدأ تجليات هذه الأهمية الإلهية في السيرة النبوية من حادثة الإسراء والمعراج، فاختيار بيت المقدس لم يكن محطة أرضية ينطلق منها النبي محمد ﷺ إلى السماوات العُلى مصادفة، بل كان إعلاناً إلهياً لربط النبوات، وتسليماً لراية الإمامة والقيادة الروحية للعالم من أرض الأنبياء.

هناك، في رحاب المسجد الأقصى، أمَّ رسول الله ﷺ الأنبياء جميعاً، لتكون فلسطين نقطة التقاء الأرض بالسماء، والشاهدة على المعراج الصاعد إلى سدرة المنتهى، مصداقاً لقوله تعالى: “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ” (الإسراء: 1).

ثالثا … “عسقلان”، ثغر الجهاد والرباط:

ولم تقتصر البركة والفضيلة على القدس وحدها، بل امتدت لتشمل أكنافها ومدنها الساحلية والتاريخية؛ وفي مقدمتها مدينة (عسقلان) التي خصها النبي ﷺ بذكر فريد يعكس مكانتها في رباط المسلمين وجهادهم. فقد ورد في الحديث الذي حسنه بعض العلماء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون مُلكاً ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحُمُر، فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان”، هذا التوجيه النبوي أضفى على ثغور فلسطين الساحلية مكانة استثنائية، فجعل الإقامة فيها ورباطها من أعظم القربات إلى الله تعالى عبر العصور.

رابعا … مقتل المسيح الدجال عند “باب لُد”:

وفي فصول الملاحم الكبرى بنهاية الزمان، تبرز فلسطين مجدداً كأرض الخلاص، فعندما يبلغ طغيان المسيح الدجال ذروته، وينشر فتنته في أرجاء الأرض، ينزل نبي الله عيسى بن مريم (عليه السلام) ليتعقبه في زحف إيماني مهيب، ولن يكون هلاك رأس الفتنة وعنوان الشر الأكبر إلا فوق تراب فلسطين، وتحديداً عند “باب لُد”، حيث يدركه المسيح (عليه السلام) فيقتله، كما جاء في الحديث الصحيح: “فَيَطْلُبُهُ حَتَّى يُدْرِكَهُ بِبَابِ لُدٍّ فَيَقْتُلَهُ”، ليطهر الأرض من دَجّالها، ويعلن انتصار الحق من البقعة ذاتها التي طالما شهدت صراع الأنبياء مع الطغاة.

خامسا … حصار “الطور” وهلاك “يأجوج ومأجوج”:

ولا تكاد الأرض تتنفس الصُعَداء بعد الدَجّال، حتى يخرج الإعصار البشري المرعب المتمثل بيأجوج ومأجوج، وهنا يأتي التوجيه الإلهي لنبي الله عيسى (عليه السلام) بـتحريز المؤمنين واللجوء إلى معقل حصين، واختار الله لهم جبل الطور في فلسطين، حيث أوحى الله إليه: “إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي لَا قِبَلَ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ”، فتتحول فلسطين في تلك الحقبة إلى الملاذ الأخير للبشرية المؤمنة، وتحت وطأة الحصار الخانق والمجاعة الشديدة، تتجه قلوب المؤمنين من فوق ذلك الجبل بالدعاء والتضرع، فيأتي الفرج الإلهي بمعجزة تقضي على الجحافل المليارية في ليلة واحدة، ليغسل المطر المطهّر أرض فلسطين والشام، ويعيد إليها بركتها الرغيدة.

سادسا … أرض المحشر والمنشر:

إن اجتماع هذه الأحداث العظمى – من عبور الأنبياء، وإسراء خاتم المرسلين، إلى ملاحم عيسى عليه السلام والدجال ويأجوج ومأجوج – يؤكد أن فلسطين هي مركز الثقل الكوني في تدبير الله للأرض.

إنها الأرض التي لا يقبل الله فيها بقاء الظلم إلى الأبد، بل يقطع دابر الذين ظلموا فوق ترابها، وتظل عاقبتها للمتقين؛ فهي أرض المحشر والمنشر، وموطن الطائفة المنصورة الثابتة على الحق حتى تقام الساعة!!.

سابعا … خط الدفاع الأول عن الأمة ومقدراتها:

وإلى جانب أبعادها الإيمانية المبينة آنفا، فإن فلسطين تُمثل تاريخياً وجيوسياسياً خط الدفاع الأول والعمق الاستراتيجي لحماية الأمة بأسرها، فغزو هذه الأرض الطاهرة واستهدافها عبر التاريخ بمشاريع الاستعمار الاستيطاني الإحلالي لم يكن يوماً معزولاً عن بقية الحواضر العربية والاسلامية، بل هو رأس حربة وجسر ممهد؛ فاستتباب الأمر للأعداء فوق ترابها يعني بالضرورة التمدد للعبث بمقدرات الأمة كاملة، واستهداف ثرواتها، المائية، والنفطية، والسيادية لخلق منظومة تبعية دائمة، مما يجعل نصرة فلسطين صوناً لأمن وسيادة كل عاصمة في العالم العربي والإسلامي!!.

في ختام مقالي ومربط فرسه:

عتابٌ أخويٌّ صادق ومحب، يخرج من القلب لِيُلامس قلب كل من غفل عن قدسية هذه الأرض، أو تملكه السأم والضجر من قِصتها الطويلة!!

عتابٌ إلى نَفَسٍ أدركه الفتور، وقلبٍ أثقلته طوارق الحوادث فبات يضيق ذرعاً بفلسطين وقضيتها، ويتململ ويتأفف لسماع اسمها!!

يا أخي، إن الضيق بالبقعة التي اختارها الله سبحانه وتعالى لتكون مسرى لنبيه ﷺ، ومجمعاً لرسله، وموئلاً للمؤمنين في أحلك الظروف؛ هو ضيقٌ بالبركة التي سكبها الله في كتابه حين قال: “إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ”، ففلسطين ليست عبئاً سياسياً عابراً، ولا حكاية جغرافية تُمل من طول تكرارها؛ بل هي ميزان ثباتنا العقدي والروحي.

يا أخي، حين يشتد الكرب ببيت المقدس وأكنافه، فإنما يُبتلى به يَقيننا وأخوتنا، لا قدرة الله على حسم النصر بلمحة بصر، فكيف تضيق نفوسنا بذات الأرض التي جعلها الله حصناً لنبيه عيسى (عليه السلام) والمسلمين من بطش يأجوج ومأجوج؟، وكيف نملُّ من ثغرٍ كـ “عسقلان” وصفت النبوة رباطه بأنه الأفضل والأعظم؟

إن التاريخ لا يُقاس بالسنوات القليلة التي يعيشها الفرد منا، وملاحم نهاية الزمان تُخبرنا بيقين لا مرية فيه أن العاقبة ستؤول إلى هناك، وأن الأرض ستُطهر ليعود الصلاح يفيض من أرجائها، فلا تدع عاديات الأيام، أو تكرار المشاهد، أو قسوة الأخبار تُنسيك أن هذه الأرض هي من ثوابت دينك، وعِزٌّ يرتبط به عِزُّ الأمة بأسرها.

عتاب لكل مسلم لا يعرف قدر فلسطين، ويجهل أهميتها وقدسيتها لدينا نحن المسلمين، أو ضاق ذرعا بأحداثها ونكباتها، عُدْ إلى رحاب البركة، واعلم أن فلسطين بغنىً عن العالمين بقداسة ربها، ولكننا نحنُ مَن نحتاج البركة في أيامنا وأعمارنا ومواقفنا بالوقوف معها!!

قال تعالى في (سورة الإسراء، الآية 1): “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ”.

سماك العبوشي

 4 / 10 / 2026

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك