نصيب الوزارات الجزائرية في مشروع قانون مالية 2027 في الجزائر

خريطة الإنفاق والرهانات الكبرى: قراءة تحليلية في مخصصات الوزارات ضمن مشروع قانون المالية 2027 بالجزائر

ليلى بلدي

أزاح مجلس الوزراء الجزائري، برئاسة رئيس الجمهورية السيد عبد المجيد تبون، الستار عن الخطوط العريضة والمخصصات الكبرى لمشروع قانون المالية لسنة 2027، ليضع بين يدَيْ المواطن وصانع القرار ميزانية ضخمة تعكس حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة.

تُقدر الميزانية الإجمالية المرصودة لهذا المشروع بنحو 17.882,6 مليار دينار (ما يعادل قرابة 132.9 مليار دولار)، وهي الأرقام التي تعكس استمرار الدولة في لعب دورها الاجتماعي والاقتصادي المحوري، رغم التحديات الإقليمية وتقلبات الأسواق العالمية للطاقة، مع اعتماد سقف سعري مرجعي للنفط محدد بـ 60 دولاراً للبرميل، وجباية بترولية متوقعة في حدود 2.652,3 مليار دينار (حوالي 19.7 مليار دولار).

فما هي أبرز ملامح توزيع هذه الاعتمادات على الوزارات والقطاعات الحساسة؟ وكيف تترجم ميزانية 2027 توجهات الدولة الاقتصادية والاجتماعية؟


1. الطابع الاجتماعي للدولة.. البوصلة التي لا تغيب

على الرغم من التوجيهات الصارمة لوزارة المالية القاضية بترشيد النفقات وتفادي أي تبذير، إلا أن ميزانية 2027 حافظت على الثوابت الكبرى للدولة الجزائرية المتمثلة في حماية القدرة الشرائية والدعم الاجتماعي.

  • زيادات الأجور والرواتب: تضمن المشروع إدراج زيادات جديدة في الأجور والرواتب تنفيذاً للالتزامات الرسمية السابقة، مع توجيهات رئاسية واضحة بعدم إدراج أي ضرائب جديدة تمس بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة أو ذوي الدخل المحدود.
  • شبكات الأمان الاجتماعي: استمرار تخصيص اعتمادات معتبرة لدعم المواد الأساسية (القمح، الحليب، الزيت، السكر، الكهرباء والماء)، إلى جانب مخصصات أجهزة التضامن الاجتماعي الموجهة للفئات الهشة والمناطق الظل والولايات المستحدثة.

2. قطاعات السيادة والخدمات الأساسية (التعليم، الصحة، والخدمات الاجتماعية)

تحظى الوزارات المكلفة بالموارد البشرية والخدمات القاعدية بحصة الأسد من الميزانية العامة لتسيير ملايين الموظفين وضمان استمرارية المرافق الحساسة:

  • قطاعا التربية والتعليم العالي والتكوين المهني: تواصل الحكومة ضخ الاعتمادات المالية الضخمة لتغطية أجور عمال قطاع التربية الوطنية والتعليم العالي، مع التركيز على تحسين جودة التحصيل العلمي، توسيع الهياكل الاستيعابية، ودعم التحول الرقمي للإدارة التربوية والجامعية.
  • قطاع الصحة: ترتكز الاعتمادات الموجهة لوزارة الصحة على تأمين التغطية الصحية الشاملة، تمويل اقتناء الأدوية والمستلزمات الطبية الحيوية، واستكمال إنجاز وعصرنة الهياكل الاستشفائية الكبرى، فضلاً عن تعزيز الرقمنة في إدارة المنظومة الصحية.
  • قطاع السكن والعمران: يظل قطاع السكن قطاراً قاطرةً للتنمية والتشغيل؛ حيث تخصص الميزانية موارد معتبرة لمواصلة تمويل مختلف صيغ السكن (العمومي الإيجاري، السكن الريفي، التجزئات الاجتماعية، والترقوي المدعم)، لتلبية الطلب المتزايد والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

3. البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية الكبرى (الأشغال العمومية والنقل والموارد المائية)

شهدت ميزانية 2027 تخصيصات نوعية وموجهة بدقة لقطاعات النقل والمياه والبنية التحتية، تماشياً مع التعليمات الرئاسية الأخيرة:

  • قطاع النقل والأشغال العمومية: يأتي على رأس الأولويات الإطلاق الفوري والمتابعة الحثيثة لمشاريع السكك الحديدية الكبرى، لا سيما الشطر الرابط بين الأغواط، غرداية، المنيعة، إن صالح، وصولاً إلى تمنغست، والذي خصصت له تمويلات هيكلية (بما فيها تمويلات من البنك الأفريقي للتنمية بقيمة تقارب 878 مليون دولار للمرحلة الثانية)، بهدف ربط الشمال بالجنوب الكبير مع أفق استكمال المشروع بحلول نهاية 2028.
  • قطاع الموارد المائية: تسريع إنجاز مشاريع سدود جديدة، محطات تحلية مياه البحر على الشريط الساحلي، مشاريع ربط السدود، وصيانة شبكات التوزيع؛ تأكيداً على أولوية تحقيق الأمن المائي الوطني.

4. قطاعات الاستثمار والتحول الاقتصادي (الفلاحة، المناجم، والصناعة)

في إطار مسعى الحكومة لتنويع الاقتصاد الوطني والخروج تدريجياً من التبعية المطلقة للمحروقات، ركزت ميزانية 2027 على دعم القطاعات المنتجة ذات القيمة المضافة:

  • قطاع الفلاحة والتنمية الريفية: ينتظر أن تحظى الفلاحة بدعم استثنائي (مرتقب عبر مجالس وزراء متخصصة) يهدف إلى تعزيز السيادة الغذائية، مرافقة المشاريع الفلاحية الكبرى في الولايات الجنوبسة، تطوير الشعب الاستراتيجية، توسيع المساحات المسقية، ورفع قدرات التخزين وتحسين مردودية الحبوب.
  • قطاع الطاقة والمناجم: رصد مخصصات لدعم الاستثمار في المشاريع الاستراتيجية الكبرى للمناجم والتعدين، وتطوير الصناعات المحلية، ومرافقة المؤسسات الناشئة والمقاول الذاتي لتحسين مناخ الأعمال.

5. فلسفة التسيير الجديد: “موازنة الأداء والنجاعة”

ما يميز مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليس فقط حجم الأرقام والمخصصات، بل فلسفة الإنفاق التي فرضتها وزارة المالية؛ إذ انتقلت الإدارة تدريجياً من منطق “الاعتمادات الكلاسيكية” إلى “منطق الأداء والنتائج”.

وقد تضمنت توجيهات الحكومة قواعد صارمة تتلخص فيما يلي:

  1. الأولوية للمشاريع المتقدمة: إعطاء الأولوية القصوى لاستكمال المشاريع التي تجاوزت نسبة إنجازها 70%، وتأجيل أو تجميد النفقات غير الضرورية.
  2. الصارمة في النفقات الجارية: فرض تسيير واقعي وفعال بعيداً عن التبذير، مع ربط كل دينار عمومي يُنفق بقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر.
  3. الرقمنة الشاملة: الاعتماد على المنصات الرقمية الموحدة (مثل منصة “إعداد”) في تتبع ومناقشة ميزانيات الوزارات والتحكم الأمثل في النفقات العامة.

يؤكد مشروع قانون المالية لسنة 2027 في الجزائر أن المعادلة الصعبة التي تعمل الحكومة على تحقيقها تتمثل في المزاوجة بين الصرامة المالية وترشيد النفقات من جهة، والحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة ودعم عجلة النمو الاقتصادي خارج المحروقات من جهة أخرى. إنها ميزانية رهان على استكمال مشاريع كبرى ستغير وجه البنية التحتية للبلاد، مع وضع المواطن وقوته الشرائية في صدارة أولويات الإنفاق العمومي.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك