أنا مش أنا.. ولا أنت إنت! … دليل التوهان في زمن الشخصيات المتعددة
هناء حلمي
يا سادة يا أعيام، ويا جماعة الوجوه المركبة والمصاريف الإدارية الباهظة، تعالوا نجلس معاً جلسة مصارحة خالية من الكوليسترول والمجاملات الزائفة. هل حدث يوماً أن وقفت أمام المرآة صباحاً، بعد ليلة عصيبة من حسابات الفواتير وقراءة توقعات الأبراج السياسية والاقتصادية، فنظرت إلى انعكاسك وهتفت بلا مقدمات: “إنت مين يا عم الحاج.. وفي أي داهية راحت شخصيتي الأصلية؟”
نعم، يا أصدقائي، نحن نعيش اليوم في عصر “أنا مش أنا.. ولا أنت إنت!”. العصر الذي أصبح فيه الشخص الواحد يملك من الهويات والنسخ ما يجعله يتفوق على أحدث أجهزة الهواتف الذكية (آيفون 18 برو ماكس بنسخ محروقة).
كتالوج النسخ البشرية في زمن الانفصام المجتمعي
تخيل معي أنك تستيقظ صباحاً لتلعب أدواراً لم تدرسها حتى في معاهد التمثيل العالية. إليكم “المنيو” اليومي لشخصياتنا المتعددة:
- نسخة “حمو البسّام” في العمل: الموظف المثالي، المطيع، الذي يبتسم للمدير وهو يرتدي قناع “العبد الشكور”، ويستمع لقرارات خفض الرواتب وازدحام المهام وكأنها موسيقى تشايكوفسكي العذبة، بينما في داخله يدور فيلم رعب صامت يحرق المكتب بمن فيه.
- نسخة “فيلسوف الجروب” على الواتساب: الشخص الذي يظهر في مجموعات العائلة والأصدقاء ليوزع الحكم المأثورة، والآيات القرآنية، والنصائح الاقتصادية حول كيفية الادخار بـ “قشر الموز”، مع أنه لا يملك ثمن علبة سجائر أو تذكرة باص.
- نسخة “الكائن الشباح” في البيت: الشخص الذي يعود إلى منزله ليتحول إلى جثة هامدة بلا ملامح، لا يملك طاقة للحديث، ولا يرد على الأسئلة إلا بهزات رأس تشبه زلازل درجة خمسة على ريختر، وكل ما يرجوه من العالم هو أن يُترك في حاله مع طبق فول ومخدة بالية.
متى ضاعت النسخة الأصلية؟
القصة بدأت يا سادة عندما قررنا أن نرضي الجميع، وأن نرتدي لكل اجتماع قناعاً، ولكل مصيبة عائلية بدلة رسمية، ولكل أزمة اقتصادية “ضحكة صفراء” تداري سواد الأيام. شيئاً فشيئاً، تبخرت النسخة الأصلية من “أنا”، ووجدنا أنفسنا أمام مرآة المجتمع نردد الأغنية الخالدة: “أنا مش أنا.. وإنت مش إنت.. والكل عمال يلطم يا سيدي الكنت!”.
تجد أحدهم يكلمك بلسان “المصلح الاجتماعي”، وبعد دقيقتين تكتشف أنه هو نفسه الذي سرق “النسكافيه” الخاص بك من دولاب المطبخ المشترك في الشغل! وتجد فتاة تملأ صفحتها على السوشيال ميديا بالحب والتفاؤل والسلام الداخلي، وهي في الواقع، لو سألتها عن سعر الطماطم، لشنت حرباً عالمية ثالثة على اليابس والأخضر.
لذا، يا سادة، أوقفوا هذا العبث الهوياتي قليلاً. ارفضوا هذه النسخ المزيفة، واقبلوا بأن تكونوا ناقصين، عابسين، وصريحين بقسوة، خيرٌ ألف مرة من أن تستيقظوا ذات صباح فلا تجدوا لأنفسكم أثراً في سجلات الكائنات الحية.
تذكروا دائماً: في زمن الطوفان الاقتصادي والنفاق الاجتماعي، أن تبقى على “نسختك الأصلية” المهترئة خير لك من أن تكون “نسخة محدثة” لشركة كذابين كبرى! تصبحون على حقيقة واضحة، ولو كانت بـ “طعم الليمون المر”!



إرسال التعليق