“من حقنا أن ننتقد عصر الرئيس حسني مبارك ونختلف مع كثير من سياساته”
“من حقنا أن ننتقد عصر الرئيس حسني مبارك ونختلف مع كثير من سياساته، وأن…”
محمد ابراهيم بسيوني
من حقنا أن ننتقد عصر الرئيس حسني مبارك ونختلف مع كثير من سياساته، وأن نناقش حصيلة ثلاثين عامًا من حكمه بكل ما لها وما عليها، لكن النقد شيء ومحو التاريخ شيء آخر. فالتاريخ لا يُكتب وفق مشاعرنا تجاه الأشخاص، وإنما وفق الوقائع، ومن حق الأجيال أن تعرف الصورة كاملة، لا أن تختار منها ما يتفق مع موقفها السياسي.
عندما نتحدث عن حرب أكتوبر 1973، لا يجوز اختزال النصر في شخص واحد أو سلاح واحد؛ فقد كان انتصارًا للجيش المصري كله، شاركت فيه القوات الجوية والدفاع الجوي والقوات البرية والبحرية وبقية التخصصات، وكان ثمرة تخطيط وإعداد وقيادة سياسية وعسكرية متكاملة. وفي الوقت نفسه، فإن حسني مبارك كان قائدًا للقوات الجوية المصرية أثناء الحرب، وكان له دوره المعروف في إدارة هذا السلاح وفي الضربة الجوية الأولى، ولذلك فإن تجاهل اسمه تمامًا عند الحديث عن قادة أكتوبر ليس دقيقًا تاريخيًا، كما أن تحويله إلى «صاحب النصر الوحيد» ليس دقيقًا أيضًا.
والأمر نفسه ينطبق على عهده الرئاسي. فقد شهدت سنوات مبارك مشروعات قومية وتوسعًا كبيرًا في البنية الأساسية والمرافق، من مترو الأنفاق وشبكات الصرف الصحي والغاز الطبيعي إلى مشروعات الطرق والكهرباء والمياه والتوسع العمراني، كما ارتبط عهده بمشروعات مثل ترعة السلام وتوشكى وشرق العوينات. ويمكن بل يجب أن نناقش مدى نجاح هذه المشروعات، وتكلفتها، وما تحقق منها وما تعثر، وهل كانت جزءًا من رؤية استراتيجية متكاملة أم مجرد سياسات ومشروعات متفرقة.
وهنا يجب أن يكون النقد أكثر عدلًا: ليس كل ما تم في عهد مبارك إنجازًا شخصيًا لمبارك، كما أن كل إخفاق حدث في عهده لا يمكن تفسيره بشخصه وحده. الدولة مؤسسات ووزارات وحكومات وجيش وأجهزة وخبراء، والرئيس في النهاية مسؤول سياسي أعلى، يُقيَّم بما اتخذه من قرارات وبما تركه من نتائج.
لقد اختلفنا مع مبارك، وانتقدناه، وربما كانت لنا اعتراضات جوهرية على سياساته وطريقة إدارة الدولة في سنوات طويلة من حكمه، وهذا حق مشروع. لكن لا يجوز أن يتحول الاختلاف السياسي إلى إعادة كتابة للتاريخ. يمكن أن نختلف مع مبارك كرئيس، وننتقد حصيلة حكمه، وفي الوقت نفسه نعترف بدوره كقائد للقوات الجوية في حرب أكتوبر وبما تحقق من مشروعات في عهده.
فالإنصاف لا يعني تبرئة أحد، كما أن النقد لا يعني إلغاء أحد. مصر أكبر من الأشخاص، وأكتوبر أكبر من أي قائد، والتاريخ أكبر من أن يُكتب بالحب والكراهية.
د محمد ابراهيم بسيوني



إرسال التعليق