3 أخطاء استراتيجية كبرى في مسيرة السيد حسن نصر الله
حسنين خلوف (محلل استراتيجي – برلين)
حين نكتب في الاستراتيجية العسكرية والسياسية، فإن الإنصاف يقتضي منا أن نتجرد تماماً من عاطفة التقديس أو نوازع الشيطنة، وأن ننظر إلى القادة التاريخيين من منظار الأفعال والنتائج لا النوايا والشعارات. وحين يتعلق الأمر بشخصية بحجم الراحل السيد حسن نصر الله، الذي قاد حزب الله لأكثر من ثلاثة عقود محولاً إياه إلى قوة إقليمية ضاربة تحسب لها أعتى دول المنطقة ألف حساب، فإن حجم التأثير يجعل من الأخطاء -حين تقع- ذات كلفة استراتيجية باهظة ومزلزلة.
إن القادة العظام لا يُقاسون بغياب الأخطاء، بل بحجم وقائعها ونتائجها على الأرض. ومن خلف طاولة التحليل الاستراتيجي في برلين، وبعيداً عن صخب التعبئة الإعلامية، يمكننا رصد ثلاثة أخطاء استراتيجية كبرى وقع فيها السيد حسن نصر الله، وألقت بظلالها الثقيلة على مسار المقاومة ومستقبل الإقليم.
أولاً: الوقوع في فخ “وحدة الجبهات” النظرية وإسناد استنزاف بلا أفق
منذ إطلاق مفهوم “وحدة الساحات” أو “وحدة الجبهات” كعقيدة استراتيجية جديدة للمحور، افترضت القيادة في بيروت أن مجرد فتح جبهة إسناد شمالية كافية لردع إسرائيل أو تخفيف الضغط المدمير عن قطاع غزة بشكل جذري.
- الخطأ الاستراتيجي: كان الخطأ يكمن في الاعتقاد بأن إسرائيل يمكن ردعها بحرب “إسناد استنزافي” محدودة ودون الانزلاق إلى مواجهة شاملة ومفتوحة. هذا التكتيك سمح لجيش الاحتلال بإدارة معركته على جبهات متعددة بتدرج، مع تركيز قوته التدميرية المطلقة في غزة أولاً، ثم الالتفات لاحقاً وبشراسة نحو الجبهة اللبنانية.
- النتيجة: تحولت جبهة الإسناد من أداة ضغط استراتيجية حاسمة إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة، استدرجت الحزب ببطء إلى فخ المواجهة المفتوحة التي كانت تل أبيب تستعد لها وتنتظر التوقيت المناسب لفرضها.
ثانياً: الثقة المفرطة في التفوق الاستخباراتي واختراق المنظومة الأمنية
طوال سنوات، بُنيت هيبة حزب الله على الغموض الأمني العالي والسرية المطلقة في الهيكل التنظيمي والاتصالي، مما جعل الخصم عاجزاً عن اختراقه بسهولة.
- الخطأ الاستراتيجي: ركن القيادة العليا، وعلى رأسها السيد نصر الله، إلى قناعة بأن منظومة التأمين التقني والاتصالي تقليديًا كافية لمواجهة قدرات استخباراتية عالمية مدعومة بالتكنولوجيا الفائقة للغرب والولايات المتحدة. حدث نوع من الاطمئنان الكاذب للتفوق الأمني السابق، وتم التقليل من سرعة تطور أدوات التجسس السيبراني والذكاء الاصطناعي والاستخبارات البشرية المتقدمة.
- النتيجة: الانكشاف الأمني الهائل الذي تجسد في اختراق أجهزة الاتصال (البيجر ووكي توكي) وما تلاه من اغتيادات قيادية متتالية هزت البنية الصلبة للحزب في أسوأ لحظات الحرب حساسية، وأفقدت المنظومة جزءاً كبيراً من تناسقها القيادي والميداني المفاجئ.
ثالثاً: القراءة المتأخرة لطبيعة التحولات العميقة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد 2023
اعتمدت استراتيجية الحزب لسنوات طويلة على معادلة الردع الكلاسيكية التي تأسست بعد حرب تموز/يوليو 2006 (توازن الردع، القصف المتبادل، وقواعد الاشتباك المحكومة بسقوف معينة).
- الخطأ الاستراتيجي: التمسك الطويل بـ “قواعد الاشتباك القديمة” والاعتقاد بأن إسرائيل -المأزومة سياسياً واجتماعياً- لن تغامر بتوسيع الحرب إلى دمار شامل للبنان بسبب كلفة الجبهة الداخلية. لقد غاب عن التقدير الاستراتيجي أن نتنياهو وقيادة المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، بعد صدمة أكتوبر، دخلوا في عقيدة وجودية جديدة تقوم على “حرق الإقليم وعدم الركون لأي قواعد اشتباك سابقة”.
- النتيجة: تأخر الانتقال إلى خطوات استباقية حاسمة على مستوى الميدان، وجعل الحزب في موقع رد الفعل والتلقي أمام ضربات إسرائيلية متلاحقة استهدفت بيئته الحاضنة وبنيته العسكرية الكبرى قبل أن يستوعب حجم التغير الجذري في قواعد اللعبة الإقليمية.
إن الاعتراف بالأخطاء الاستراتيجية لا ينقص من وزن القادة التاريخيين، بل يقدم قراءة موضوعية وشجاعة للدروس القاسية التي تفرضها حروب الكبار. لقد خاض السيد حسن نصر الله معركة كبرى ترك فيها بصمات لا تمحى على تاريخ الصراع، لكن القسوة الموضوعية للتاريخ تظل تسجل أن الحسابات الاستراتيجية الخاطئة، مهما كانت النوايا صادقة، تدفع الشعوب والمقاومات ثمنها باهظاً في لحظات الحسم الكبرى.



إرسال التعليق