كيف تبدو منسجماً بينما روحك تغادر من شباك المنور؟

بسمة عمران

أيها الموظف المصري الكادح، يا من تقضي زهرة شبابك أمام شاشة حاسوب عتيقة تصدر أزيزاً غريباً، أو أمام جبل من الورق والدفاتر الزرقاء التي تحمّلت أجيالاً من البصمات والأختام! أهلاً بك في نادي “الموت السريري الوظيفي” على طريقة المحروسة. إننا لسنا مجرد موظفين نتقاضى ملاليم نهاية الشهر، بل نحن أبطال دراميون نمثل دور “الموظف المجتهد” بكل ما أوتينا من مهارات الكوميديا السوداء، بينما أرواحنا تصرخ بحثاً عن “فنجان شاي مظبوط”. ولأن مديرك “أستاذ حامد” يتربص بك، ولأن المعاملات تتكاثر كالأرانب، رأيتُ لزاماً عليّ أن أقدم لك هذا الدليل الساخر.. كيف تبدو مشغولاً ومرعباً في الإنتاجية، بينما أنت في الحقيقة غارق في تأمل تفاصيل السقف والبحث عن طريقة للهروب إلى “الكانتين”!

أولاً: فن “الهندسة البصرية”.. كيف تبدو مكدوداً وأنت متوقف عن الحياة؟

التحدي الأكبر في الوظيفة المصرية ليس في إنجاز العمل، بل في إقناع “رئيس القسم” بأنك تبذل عرق جبينك طوال الوردية:

  • نظرة “التكشيرة الإدارية”: لا تنظر أبداً إلى أوراقك برّاحة. امسك قلماً ناشفاً (لا ينقط حبراً)، وضع يدك على جبهتك كأنك تحل معادلة نووية، واجعل وجهك متجهموكأنك تدير أزمة اقتصادية عالمية. السر هنا في مصر: “عبس الوجه وقول (يا ساتر يا رب) يغني عن كثرة الإنجاز”.
  • مسكة الدفتر والجرّي في الممرات: امسك أي دوسيه قديم تحت إبطك، وامشِ في ممرات المصلحة بخطوات سريعة ووجه متجهم كأنك رايح لوزير بنفسه. حتى لو كنت ذاهباً إلى “البوفيه” لتشرب شاي بالنعناع، افعلها بـ “كاريزما المدير العام”.

ثانياً: تكتيكات الهروب الميداني الخفي في الدواوين والشركات

حين تصل ضغوط العمل إلى ذروتها، وتكتشف أن “معاملة” قد وصلت على مكتبك قبل انتهاء الدوام بدقيقة واحدة، عليك تفعيل خطط الطوارئ الفورية:

  • حيلة “الأستاذة فلانة ناديتني”: اترك قلمك ببطء، وابتسم بأسى للمواطن الغلبان، وقل له بنبرة كلها تعاطف مصطنع: “يا باشا الأستاذة فلانة في الدور اللي فوق طالباني ضروري في مصلحة عاجلة، ثواني وراجع!”. وتلك “الثواني” قد تمتد حتى يغلق الباب خلف المواطن.
  • شماعة “السيستم واقع”: هذه هي المعجزة الإلهية التي انقذت ملايين الموظفين في مصر. إذا اقترب منك المدير ليسألك عن تقرير متأخر، انظر إلى الشاشة بأسى وقل بصوت خافت يعبر عن مأساة الوطن: “يا باشا سيبني، السيستم واقع من الصبح والبشمهندس بتاع الدعم الفني لسه مجاش!”. هذه الكلمة تبرر لك الجلوس ساعتين متتاليتين للفضفضة مع الزملاء.

ثالثاً: الأكل العاطفي الهروبي.. السعادة في درج المكتب

الموظف البائس في مصر لا يعيش على الهواء، بل يعيش على “المخزون الإستراتيجي” السري داخل درج الطاولة:

  • مخبأ الطوارئ: درجك ليس للأدوات المكتبية، بل هو ثلاجة سرية تضم “بقسماط منشف”، وعلبة جبنة مثلثات قديمة، وبرطمان نسكافيه فرط. حين يشتد الصدام مع ضغط العمل أو تذمر المراجعين، افتح الدرج ببطء كأنك تفتح خزانة بنك سويسري، وتناول قطمة بقسماط بصمت تام لتعويض النقص الحاد في سكر الدم.

أيها الزملاء في رحلة الشقاء الوظيفي بالمحروسة، تذكروا دائماً أن الحكومة لن تنهار بغيابكم، وأن التاريخ لن يذكر الموظف الذي قضى ليله يراجع السجلات، بل سيذكر فقط من استطاع أن يخرج سالماً بمعاشه وصحته العقلية! ابتسموا في وجه المدير، واهربوا بقلوبكم نحو فنجان الشاي.. وإن شاء الله بكرة إجازة!

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك