اخر الاخبار

أخلاقيات المهنة في المخابرات .. ما هو ميثاق عمل المخابرات الذي يلتزم به الجميع

ثقافة وخصال رجال المخابرات الثابتة والمتحركة

محمد عبد الكريم يوسف


بعد البحث في المصادر المتاحة، تبيّن أن هناك ندرة واضحة في الدراسات الأكاديمية العربية المحكّمة التي تتناول موضوع “ثقافة وخصال رجال المخابرات” بشكل مباشر، ويعود ذلك بالأساس إلى هيمنة منطق السرية المطلقة على الأجهزة الأمنية العربية، وغياب أطر قانونية تنظم رفع السرية عن الأرشيفات، بالإضافة إلى غياب شبه تام لمراكز بحثية متخصصة في دراسات الاستخبارات داخل الجامعات العربية. ومع ذلك، يمكن بناء إطار بحثي رصين بالاعتماد على أدبيات الدراسات الاستخباراتية المقارنة، والوثائق المتاحة، وبعض الدراسات العربية التي تناولت جوانب من هذا الموضوع.

أولاً: الإطار المفاهيمي لثقافة المخابرات والخصال الثابتة

تشير “ثقافة المخابرات” (Intelligence Culture) إلى القيم والمواقف والممارسات المشتركة التي تسود داخل جهاز استخباراتي معين، والتي تتشكل عبر التاريخ المؤسسي والبيئة الأمنية والسياسية للدولة. ويُعد هذا المفهوم حديثاً نسبياً في الأدبيات الأكاديمية، وقد تبلور بشكل خاص في الدراسات المقارنة التي تناولت أجهزة استخبارات دول مثل إسرائيل وبريطانيا والهند.

أما “الخصال الثابتة” لرجال المخابرات، فتشير إلى السمات الشخصية والأخلاقية والمهنية التي يُفترض توافرها في ضابط الاستخبارات بغض النظر عن طبيعة المهمة أو السياق الثقافي. وقد وضع آلن دالس (Allen Dulles)، مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية السابق، مجموعة من الصفات الجوهرية التي اعتبرها ضرورية لجامع المعلومات الاستخباراتية، من أبرزها: النزاهة العالية، والقدرة على تقبّل وجهات النظر الأجنبية وفهمها، والقدرة على العمل الجيد مع الآخرين تحت ظروف صعبة.

وقد طوّر مكتب الخدمات الاستراتيجية الأمريكي (OSS) خلال الحرب العالمية الثانية نظاماً لتقييم المرشحين للعمل الاستخباراتي، شمل قياس الذكاء، والاستقرار العاطفي، والمهارات الاجتماعية، ومهارات الملاحظة، ومهارات الاتصال، والمبادرة، إلى جانب أحكام شخصية على حس الفكاهة، والصدق الأساسي، والكفاءة الشاملة.

ثانياً: الخصال المتحركة — التكيّف مع طبيعة المهمة والسياق

في مقابل الخصال الثابتة، تبرز “الخصال المتحركة” التي تتعلق بقدرة ضابط المخابرات على التكيّف مع متغيرات المهمة والبيئة المحيطة. وقد أوضح والتر لاكر (Walter Laqueur) أن جامع المعلومات الاستخباراتية الجيد يحتاج إلى التحفّظ، والصبر، واللباقة، والهدوء، والبراعة، وقوة العقل، والحصافة، كما يُطلب منه غالباً التكيّف مع شخصية مصادره حتى لو اقتضى ذلك مخالفة طبيعته الخاصة.

وهنا يظهر التمييز المهم بين نوعين من المهام الاستخباراتية:

المهام الثابتة (Static Missions): وهي المهام التي تُعطى فيها التكليفات لمرة واحدة فقط، ولا تحتاج إلى استمرار التواصل بين الضابط والعميل. وقد تكون هذه المهام أخطر من حيث صعوبة كشفها، لأن انعدام التواصل يقلل من فرص رصد العلاقة. ومن الأمثلة على ذلك تجنيد عناصر داخل مؤسسات سيادية لتغيير تركيبة الكادر أو إضعاف الأداء من الداخل.

المهام المتحركة (Mobile/Dynamic Missions): وهي المهام التي تتطلب تواصلاً مستمراً بين الضابط والعميل، مع تسليم المعلومات من العميل للضابط واستلام التوجيهات بشكل دوري. وتتطلب هذه المهام من الضابط قدرات عالية في إدارة الشبكات، والحفاظ على الأمن العملياتي، والتعامل مع المخاطر المتغيرة. ويشير الأدب الاستخباراتي إلى أن المهام المتحركة تتطلب من الضابط “أن يكون ممثلاً بارعاً“ وقادراً على “الاندماج بسلاسة في البيئة“ دون إثارة الشبهات.

ثالثاً: البُعد الثقافي في عمل ضباط المخابرات

يمثل الذكاء الثقافي (Cultural Intelligence – CQ) عنصراً محورياً في تكوين ضابط المخابرات الفعّال، خاصة في السياقات الدولية. وقد أظهرت الدراسات الأكاديمية أن ضباط المخابرات الذين يعملون في بيئات ثقافية متنوعة يمتلكون درجة عالية من الذكاء الثقافي تساعدهم في أداء مهامهم، وأن مقياس الذكاء الثقافي يُعد أداة تقييم جيدة لهذا الغرض.

وتشير الأبحاث إلى أن المهارات بين الثقافية — وخاصة تلك المعروفة باسم “المهارات الثقافية العامة” (culture-general skills) — تمكّن ضباط الاستخبارات والمحللين من التنقل في التحديات بين الثقافية وتعزيز العلاقات مع شركاء الاستخبارات الأجانب. وهذا يفسر لماذا تولي أجهزة الاستخبارات الحديثة، مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI) ووكالة الاستخبارات المركزية (CIA)، أهمية متزايدة لتدريب ضباطها على الكفاءات الثقافية.

رابعاً: إشكالية الدراسات الاستخباراتية في السياق العربي

تواجه الدراسات الاستخباراتية في العالم العربي جملة من المعوقات البنيوية التي تعرقل تطورها الأكاديمي. فبالإضافة إلى هيمنة ثقافة السرية، تعاني الجامعات العربية من غياب شبه تام لمراكز بحثية متخصصة في دراسات الأمن والاستخبارات، ومن ندرة الباحثين المؤهلين أكاديمياً في هذا المجال، وهو ما يرتبط بغياب التكوين العلمي المنهجي في موضوع الاستخبارات.

ويضاف إلى ذلك اعتبارات سياسية تتصل بخشية الأنظمة من كشف حقائق قد تُحرج مؤسسات الدولة أو تفضح ممارسات تنتهك الحقوق والحريات، مما يُبقي هذا الحقل ضمن “المنطقة المحظورة معرفياً“. كما أن ضعف ثقافة التوثيق التاريخي الرسمي، وتضارب المصالح بين المؤسسات الأمنية والهيئات الأكاديمية، يشكلان عائقاً إضافياً أمام بناء تراكم معرفي منظم.

ومع ذلك، هناك بعض المحاولات العربية الجديرة بالاهتمام، من بينها كتاب “الفكر الاستخباري الإسلامي: دراسة توثيقية بمنظور معاصر“ للواء الدكتور عبدالعزيز بن عبدالله الأسمري، الذي يستعرض منابع الفكر الاستخباري العربي الإسلامي، ويسعى إلى تفسير القواعد الشرعية للأنشطة الاستخبارية في القرآن الكريم والسنة النبوية. كما صدر حديثاً كتاب “الدراسات الاستخباراتية: السبيل إلى تقليص عدم اليقين الأمني“ للبروفيسور نسيم بهلول والبروفيسور عطاء الله فشار (دار الحامد، 2025)، وهو من المحاولات العربية القليلة التي تتناول هذا الحقل بشكل منهجي.

خامساً: الخاتمة والتوصيات البحثية

يمكن القول إن موضوع “ثقافة وخصال رجال المخابرات الثابتة والمتحركة” يقع في منطقة تقاطع بين الدراسات الأمنية والسلوك التنظيمي والأنثروبولوجيا الثقافية. ولتطوير هذا الحقل في السياق العربي، يُقترح ما يلي:

  1. تأسيس مراكز بحثية متخصصة في دراسات الاستخبارات داخل الجامعات العربية، مع توفير التدريب المنهجي للباحثين.
  2. سنّ تشريعات تضمن الحق في النفاذ إلى المعلومات، وتحدد ضوابط رفع السرية عن الوثائق الاستخباراتية بعد مدد زمنية مدروسة.
  3. تشجيع الشراكة بين المؤسسات الأكاديمية والأمنية على قاعدة الشفافية والاحترام المتبادل، بما يسمح بإنتاج معرفة علمية رصينة لا تمس ضرورات الأمن القومي.
  4. تبنّي مبدأ “التاريخ الرسمي“ تحت إشراف مؤرخين معتمدين، مع تمكينهم من الوصول إلى الأرشيفات وفق ضوابط محددة.

المراجع العربية

  1. الأسمري، عبدالعزيز بن عبدالله. الفكر الاستخباري الإسلامي: دراسة توثيقية بمنظور معاصر. الطبعة الأولى، 1439هـ/2018م. (364 صفحة)
  2. بهلول، نسيم؛ وفشار، عطاء الله. الدراسات الاستخباراتية: السبيل إلى تقليص عدم اليقين الأمني. دار الحامد للنشر والتوزيع، 2025.
  3. مجلة لباب (العدد 27). “الدراسات الاستخباراتية في السياق العربي: المعوقات والآفاق”. مركز الجزيرة للدراسات، 2025.

المراجع الأجنبية

  • Dulles, Allen. The Craft of Intelligence. New York: Harper and Row, 1963.
  • Laqueur, Walter. The Uses and Limits of Intelligence. New Brunswick, NJ: Transaction Publishers, 1993.
  • Shapira, Itai. Israeli National Intelligence Culture: Problem-Solving, Exceptionalism, and Pragmatism. Routledge, 2024.
  • de Graaff, Bob; and Nyce, James M. (eds.). Handbook of European Intelligence Cultures. Rowman & Littlefield, 2016.
  • Jones, Ishmael. The Human Factor: Inside the CIA’s Dysfunctional Intelligence Culture. New York: Encounter Books, 2008.
  • “Cultural Intelligence in the Study of Intelligence.” Journal of Strategic Security, University of South Florida.
  • “The Modern Intelligence Person.” MCD.org.il. (يتضمن تصنيف E.H. Cookridge لصفات ضابط الاستخبارات المثالي)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك