السياسة والمعارضة ليست دناءة نفس ولا حقارة ألفاظ

الكاتبة: أنوار عبد العظيم

في عالم تتسارع فيه وتيرة الأحداث وتتقاطع فيه المصالح والصراعات، يُفترض بالسياسة أن تكون—في جوهرها النبيل—”فن تدبير الشأن العام وتحقيق الصالح العام”، وأن تكون المعارضة هي البوصلة الواعية التي تقوّم الاعوجاج وتقدم البدائل الرشيدة. غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر، وما تفرزه منصات التواصل الاجتماعي ومنابر النقاش العام من لغة هابطة ومشاحنات فجاجة، يلحظ انزلاقاً خطيراً حول مفهوم العمل السياسي والخصومة الفكرية؛ ليتوهم البعض أن شجاعة الموقف تقاس بمدى إسقاط الأخلاق، وأن الفصاحة تكمن في بذاءة اللفظ وقسوة التجريح. من هنا تبرز الحقيقة الساطعة: ما كانت السياسة يوماً بدناءة النفس، ولا كانت المعارضة بحقارة الألفاظ.

تاريخياً وفلسفياً، وُجدت السياسة لتنظيم المجتمعات وحمايتها من شريعة الغاب، لا لتكريسها بلغة التوحش اللفظي. الفارس السياسي الحقيقي هو الذي يؤمن أن الاختلاف في الرؤى الاقتصادية، أو الاجتماعية، أو الإدارية لا يبيح بحال من الأحوال اغتيال الشخصيات أو انتهاك الكرامات.

إن إدارة الشأن العام تتطلب استقامة في الضمير وسمواً في النفس؛ فالإنسان الدنيء في أخلاقه وظاهره لا يمكنه أن يقود مجتمعاً نحو النهضة أو يرسخ عدالة، لأن فاقد الشيء لا يعطيه. السياسة النظيفة هي التي تحتكم إلى الحجة، والبرهان، والرؤية الاستراتيجية، بعيداً عن المستنقعات الأخلاقية الضيقة.

ثانياً: المعارضة شرف تقويمي لا شتائم مجانية

يعتقد السواد الأعظم من المتسرعين أن المعارضة تعني بالضرورة “الرفض الأعمى والشتائم المستمرة لكل ما يصدر عن الخصم السياسي”. هذا تصور مشوه ومبتسر لطبيعة المعارضة الراشدة.

  • المعارضة الوطنية الحقيقية: هي التي تُبنى على النقد الموضوعي المدعوم بالأرقام والبدائل، وتنطلق من حرص وطني خالص على مصلحة الشعب لا من تشفٍ أو أحقاد شخصية.
  • وحين يفلس المعارض في إيجاد الحجة المقنعة، يلجأ للأسف إلى سلاح العاجز: حقارة الألفاظ وبذاءة اللسان. إن الشتائم والعبارات النابية لا تصنع سياسياً محنكاً، بل تكشف بوضوح عن عجز فكري وفراغ قيمي لدى قائلها، وتحول الخلاف السياسي الراقي إلى مهاترات شوارع تسئ لصاحبها قبل أن تسئ لخصمه.

ثالثاً: ارتقاء الوعي المجتمعي في مواجهة الانحطاط الخطابي

إن أخطر ما تفرزه ثقافة “التسقيط السياسي” عبر الألفاظ النابية هو تلوث الوعي الجمعي للمجتمع، وتحديداً الأجيال الناشئة التي باتت تظن أن العمل العام مرادف للشتيمة والعداوة المطلقة.

المجتمعات المتحضرة هي وحدها التي تفرز نخباً تحترم جلال الكلمة ونبل الخلاف. وحين نصر على تطهير خطاباتنا السياسية والمعارضة من دناءة النفوس وسفاسف الألفاظ، فإننا لا نجامل الخصوم، بل نحترم أنفسنا أولاً، ونعيد للسياسة هيبتها ومكانتها بوصفها ساحة لتنافس الأفكار لا لتفريغ العقد النفسية.

خاتمة: الكلمة أمانة والشرف لا يتجزأ

في الختام، إن المواقف المبدئية الشريفة لا تحتاج إلى صراخ بذيء لتثبت حضورها، والحق أبلج لا يحتاج إلى لغة الأقذار لكي يُعرف. فلتظل السياسة ساحة شريفة للارتقاء بالإنسان، وليبقَ صوت المعارضة عالياً بنبل الأهداف وسمو الأخلاق، فالتاريخ لا يخلد إلا النبلاء، أما أصوات الضجيج والبذاءة فمصيرها إلى زوال مع أول هبوب لريح الحقيقة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك