فخ القروض المقنعة: شبكات الاحتيال المالي وابتزاز المحتاجين بعباءة “البيع بالتقسيط”
لاراس حبيب
في ظل الأزمات المالية وتصاعد الاحتياجات المعيشية لبعض الفئات، تظهر بين الحين والآخر كيانات تجارية وهمية أو مشبوهة تتخفى خلف شعارات براقة مثل “السهولة”، “السرعة”، و”البيع بالتقسيط الميسر”. غير أن حقيقة هذه الشركات تخفي وراءها شبكات منظمة لاستغلال حاجة المواطنين، توقع بهم في شباك قروض غير قانونية، وتفرض عليهم فوائد فاحشة تثقل كاهلهم وتصل أحياناً إلى النصف أو أكثر من قيمة القرض الأساسي.
أولاً: التخفي خلف قناع “البيع بالتقسيط” والالتفاف على القانون
تعتمد هذه الشركات أساليب احتيالية ماكرة لتفادي الرقابة القانونية، حيث تلتف على القوانين من خلال إبرام عقود بيع وهمية بالتقسيط لمواد أو أجهزة معينة (كالأجهزة الكهرومنزلية أو الإلكترونيات)، بينما الهدف الحقيقي والخفي هو منح قروض نقدية فورية لأشخاص يعانون من ضائقة مالية حادة.
هذا التحايل الممنهج لا يقتصر على مخالفة القواعد التجارية فحسب، بل يمثل خرقاً صارخاً للقوانين المنظمة للقطاع المالي والمصرفي، وتحديداً مخالفة قانون النقد والقرض والتشريعات المعمول بها التي تحظر ممارسة العمليات المصرفية، وجمع الأموال، ومنح القروض للجمهور دون ترخيص مسبق من السلطات النقدية والرقابية المختصة. كما تشكل هذه العقود الوهمية مخالفة واضحة للقوانين المتعلقة بحماية المستهلك وقمع الغش، نظراً لاعتمادها على شروط تعسفية وتضليل متعمد للزبائن.
فوائد فاحشة ودوامة الابتزاز
المأساة الحقيقية للضحايا تبدأ بعد توقيع العقود؛ إذ يجد المقترضون أنفسهم أمام شروط تعسفية وفوائد خيالية وضخمة تتجاوز في كثير من الأحيان نسبة 50% من أصل المبلغ المقترض، بل وتتضاعف بفعل الغرامات الخفية المتراكمة.
وعند تعثر الضحايا عن السداد، تتخلى هذه الشركات عن القناع التجاري لتتحول إلى شبكات ضغط وابتزاز نفسي ومادي، مستغلة خوف المواطنين وجهلهم بالثغرات القانونية، وصولاً إلى التهديد بمتابعات قضائية وهمية أو حجز ممتلكات شخصية بطرق غير مشروعة لتوريطهم في ديون أبدية لا تنتهي.
شهادات حية لمعاناة الضحايا مع شبكات الإقراض غير القانوني
لتسليط الضوء على الواقع المأساوي الذي تفرضه هذه الشركات، ننقل لكم ثلاث شهادات حية لضحايا وجدوا أنفسهم غارقين في دوامة الابتزاز:
- شهادة “عمار. م” (عامل أجيال – 42 سنة):
“كنت بحاجة ماسة لمبلغ مالي بسيط لتغطية تكاليف عملية جراحية لأحد أبنائي. دلني أحدهم على شركة تقدم قروضاً سريعة تحت غطاء ‘البيع بالتقسيط’. وقعت على عقود شراء أجهزة وهمية لم استلمها قط، وحصلت على مبلغ مالي زهيد مقارنة بما سأدفعه لاحقاً. تفاجأت بأن الفوائد فاقت النصف، ومع أول تعثر شهري، بدأت اتصالات التهديد والابتزاز تطال عائلتي حتى بات شبح السجن يطاردني.”
- شهادة “سليمة. ب” (أرملة وأم لطفلين):
“دفعتني ضائقة مالية خانقة وديون متراكمة للتوجه إلى إحدى هذه الشركات التي أعلنت عن ‘تسهيلات كبرى في التقسيط’. وعدوني بحل مشاكلي فوراً، لكنهم ورطوني في ديون مركبة وفوائد فاحشة تجاوزت 60% من أصل الدين. أصبحت أتقاضى راتبي لأدفعه كاملاً لهم، وكلما حاولت تسوية الأصل يبتكرون غرامات جديدة لتستمر دائرة الاستنزاف.”
- شهادة “كمال. ر” (حرفي حر – 50 سنة):
“بسبب تعثر ورشتي الصغيرة، لجأت إلى هذه الكيانات الوهمية آملًا في قرض إنقاذي سريع. لقد استغلوا جهلي بالبنود الدقيقة للعقود وفرضوا شروطاً تعسفية مجحفة. لقد تحولت حياتي إلى جحيم من الملاحقات والضغوط النفسية، وأدعو السلطات للضرب بيد من حديد على هذه المافيات التي تقتات على آلام المحتاجين.”
نحو وعي مجتمعي وردع قانوني حاسم
إن التصدي لهذه الظاهرة الخطيرة يتطلب تكثيف الحملات التوعوية لحماية المواطنين من الوقوع في فخ هذه الشركات المفترسة التي تتخذ من الاحتياج الإنساني تجارة لها. إلى جانب ذلك، بات تدخّل الجهات الرقابية والأمنية والقضائية ملحاً لضرب هذه الشبكات بيد من حديد، وتطبيق أقصى العقوبات المتضمنة في قوانين النقد والقرض وحماية المستهلك، صوناً للاقتصاد الوطني وحمايةً للكرامة الإنسانية للمواطنين.


إرسال التعليق