ماهو سن العنوسة الحقيقي للنساء و ماهو سن التاخر الكبير للزواج للرجال

ناقوس الخطر الاجتماعي: تأخر سن الزواج.. أرقام مقلقة ومعادلة صعبة بين الاقتصاد والتقاليد

الكاتبة / نعيمة سلامة

لم يعد خفياً على أحد أن الأسرة هي الخلية الأساسية واللبنة الأولى في بناء أي مجتمع سليم؛ فمتى صلحت صلح المجتمع بأسره، ومتى اهتزت أركانها تداعت سائر الجسد بالاضطرع. غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر اليوم يلمس بوضوح ظاهرة اجتماعية مقلقة بدأت تتمدد وتفرض نفسها على بساط النقاش الجاد: إنها ظاهرة “تأخر سن الزواج” أو ما يصطلح عليها مجتمعياً بـ “العنوسة”، وهي ظاهرة لم تعد مجرد أرقام صماء في تقارير الإحصاء، بل تحولت إلى معضلة تتقاطع فيها الأزمات الاقتصادية، والتحولات الثقافية، والاجتماعية.

أرقام ومفاهيم: متى ندق ناقوس الخطر؟

إذا ما أردنا مقاربة هذه الظاهرة علمياً واجتماعياً، فإننا نصطدم أولاً بمفاهيمها المتداولة؛ فعرفياً واجتماعياً، غالباً ما تُصنف الفتاة في خانة “تأخر الزواج” إذا تجاوزت عتبة الثلاثين عاماً دون أن يسبق لها الارتباط، وهو السن الذي يبدأ فيه المنحنى الديموغرافي والخصوبي بالتراجع وفق الدراسات السيوصيولوجية والصحية. أما في كفة الرجال، فلا يقل الأمر تعقيداً؛ إذ يُنظر إلى الشاب على أنه متأخر في إتمام نصف دينه إذا تجاوز سن الثلاثين إلى الخامسة والثلاثين دون الاستقرار العائلي، وإن كانت طبيعة الرجل البيولوجية تمنحه هامشاً زمنياً أوسع، إلا أن الأعباء تظل متساوية في الثقل النفسي والمجتمعي.

بين مطرقة الاقتصاد وسندان التقاليد

لا يمكن بحال من الأحوال قراءة ظاهرة العزوف أو التأخر في الزواج بمعزل عن محيطها الاقتصادي والمعيشي. فالتحديات الكبرى التي تواجه شباب اليوم تتصدرها أزمة السكن الخانقة، وغلاء الأسعار، وارتفاع معدلات البطالة، وضعف القدرة الشرائية. كيف لشاب في مقتبل عمده المهني والعملي أن يتحمل تكاليف الشراء أو الإيجار، وتجهيز عش الزوجية، ومصاريف حفل الزفاف في ظل ظروف معيشية ضاغطة؟

إلى جانب العامل الاقتصادي، تلعب المغالاة في المهور وتكاليف الأعراس دور “القشة التي تقصم ظهر البعير”. فما زالت بعض العائلات تصر على التمسك بتقاليد بالية تشترط مظاهر البذخ، والمهر المبالغ فيه، والقفطان والحفلات الباهظة، متناسية جوهر الحديث الشريف: “أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة”. هذا التعنت غير المبرر يحول الزواج من ميثاق غليظ وسكن مودّة، إلى صفقة تجارية تعجيزية يهرب منها الشباب مرغمين.

التحولات الفكرية والتعليمية: سلاح ذو حدين

في المقابل، لا يمكن إغفال الجانب المضيء الذي ساهم بشكل غير مباشر في تأخر سن الزواج، وهو إقبال المرأة الواسع على التعليم العالي واقتحام سوق العمل. لقد أصبحت الفتاة اليوم مستقلة مادياً، ولها طموحاتها الأكاديمية والمهنية الكبرى، وهو ما جعلها ترفع سقف شروطها ومعاييرها في اختيار شريك الحياة المناسب الذي يقدر كفاءتها ويشاركها طموحاتها، رافضة الارتباط لمجرد “ستر الحال” أو الهروب من نظرة المجتمع القاصرة. هذا التحول الإيجابي في مكانة المرأة، إن دل على شيء، فإنما يدل على وعيها، لكنه يتطلب في المقابل إعادة صياغة لمنظومة القيم المجتمعية لتقبل هذا النضج وعدم اعتباره عقبة.

نحو حلول عملية لإنقاذ سفينة الأسرة

إن استمرار تفاقم ظاهرة تأخر سن الزواج ينذر بتداعيات ديموغرافية واجتماعية خطيرة، على رأسها تراجع معدلات المواليد، وشيخوخة المجتمع، فضلاً عن تفشي الأمراض النفسية والعزلة الاجتماعية. وعليه، فإن مواجهة هذه المعضلة لا تتأتى بالشعارات، بل تستدعي تضافر جهود حقيقية تكاملية:

  1. دعم الشباب اقتصادياً: عبر تسهيل الحصول على السكن التساهمي أو المدعم، وتوسيع نطاق قروض الزواج الميسرة والخالية من الفوائد.
  2. محاربة البذخ والتסاهل في المهور: بقرارات مجتمعية وعائلية شجاعة تعود بالبساطة على الأعراس وتغليب الجوهر على المظهر.
  3. دور مؤسسات المجتمع المدني والإعلام: في نشر التوعية الدينية والأسرية التي تحث على التيسير وتبصر الآباء والأمهات بحجم الأضرار الناتجة عن التعسف في الشروط.

في الختام، يظل الزواج سنة الحياة وقوام استقرار الأوطان. ولن يتحقق هذا الاستقرار إلا إذا أدرك الجميع أن تيسير سبل الحلال هو الحصن الحقيقي للأخلاق، وأن بناء أسرة مبنية على المودة واليسر أقوى ألف مرة من كل المظاهر الخادعة التي تثقل كاهل الشباب وتوئم أحلامهم في البدايات.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك