لغز الرأس المنزلاقي: حين يختفي الصاروخ الفرط صوتي من شاشات الرصد!
العميد: عبد اللطيف نواس بلجي
في حروب الجيل الحديث، لم تعد المعركة تُحسم فقط بكثافة النيران أو دقة الإصابة، بل بصراع الوجود الخفي بين تكنولوجيا الاختراق ومنظومات الإنذار المبكر. وحين يختفي صاروخ فرط صوتي فجأة من شاشات الرصد والدفاع الجوي، فاعلم أن حسابات الأمن الاستراتيجي قد تغيرت جذرياً، وأن معادلات الردع التقليدية باتت تواجه مأزقاً حقيقياً.
هذا هو المشهد الذي فرضته بيونغ يانغ مؤخراً عبر اختبارها الاستثنائي لصاروخها «هواسونغ-16 بي» العامل بالوقود الصلب، مطلقةً رأساً انزلاقياً فرط صوتي يكسر تماماً القوس الباليستي التقليدي الذياعتادت رادارات الخصوم على تتبعه واعتراضه بسهولة.
أولاً: هندسة الانزلاق المتموج ومناورات الارتفاع المنخفض
لا يقتصر التفوق في الصواريخ الفرط صوتية على مجرد السرعة الهائلة، بل في مسار الطيران الذكي. ففي تجربة «هواسونغ-16 بي»، لم يسلك الرأس الحربي المنفصل المسار الباليستي الكلاسيكي الذي يسهل التنبؤ بنقطة سقوطه وحساب قوسه لاعتراضه، بل اتبع تكتيكاً معقداً:
- الانفصال والمناورة: بمجرد مغادرة الطبقات العليا للغلاف الجوي، ينفصل الرأس الحربي ليحلق في مسار متموج وشديد الانخفاض.
- إرباك شبكات الرادار: هذا التحليق التكتيكي على ارتفاعات منخفضة نسبياً يضع الرادارات الأرضية والفضائية في أزمة حقيقية، حيث يتلاعب الرأس بزوايا السقوط والسرعة، مما يكسر خوارزميات التتبع الآلي الخاصة بأنظمة الدفاع الجوي المتقدمة (مثل باتريوت وثاد).
ثانياً: لغز الـ 300 كيلومتر وفجوة الرصد
شهدت التجربة مفاجأة تقنية واستخباراتية فجرت نقاشات واسعة بين خبراء العسكرية الدوليين؛ فقد أعلنت بيونغ يانغ رسمياً أن الصاروخ أصاب هدفه المحدد بدقة على بُعد 1000 كيلومتر، بينما رصدته وتعقّبته رادارات سول وطوكيو لمسافة 700 كيلومتر فقط، ليفاجأ المراقبون بانختفاء الأثر الراداري للصاروخ في مسافته الأخيرة.
تفتح فجوة الرصد هذه البالغة 300 كم احتمالين تقنيين متناقضين:
- النجاح التكتيكي الخفي: أن الرأس الانزلاقي نجح فعلياً في الهبوط تحت “أفق الرادار” (Radar Horizon) مستغلاً التضاريس وانحناءة الأرض والتحليق المنخفض جداً، مما أعمى عيون رادارات الإنذار حتى لحظة الاصطدام.
- الفشل الديناميكي الهوائي: الاحتمال الثاني يشير إلى احتمالية فقدان الرأس لسرعته الحرجة بفعل مقاومة الهواء الكثيفة في الطبقات السفلى للغلاف الجوي، مما أدى لسقوطه مبكراً خارج نطاق التغطية الفعلية للمحطات الرصدية الحدودية.
ثالثاً: الوقود الصلب.. جحيم الإطلاق المباغت
إلى جانب معضلة الرأس الانزلاقي، مثلت تكنولوجيا المحركات عنصراً فارقاً في هذا الاختبار. فالاعتماد على الوقود الصلب يمنح المنصات المتحركة للصاروخ ميزات تكتيكية مدمرة:
- الجهوزية الفورية: تخليص الصواريخ من عمليات التزويد المعقدة والبطيئة بالوقود السائل قبيل الإطلاق، والتي كانت تستغرق ساعات وتكشفها الأقمار الصناعية للاستطلاع.
- الضرب والانسحاب: القدرة على تحريك المنصة، الإطلاق السريع، والانسحاب الكامل في غضون دقائق معدودة قبل أن تتمكن أقمار الاستطلاع التكتيكي من رصد موقع الإطلاق والرد عليه.
رابعاً: هل هو نجاح ميداني أم تضخيم إعلامي؟
وسط تقاطع البيانات العسكرية واختلاف الروايات بين كوريا الشمالية وحلفائها من جهة، وكوريا الجنوبية واليابان والغرب من جهة أخرى، يبرز السؤال الجوهري: هل نرى في اختفاء الصاروخ نجاحاً باهراً لتكتيك الانزلاق المنخفض.. أم مجرد تضخيم بروباغندي من بيونغ يانغ؟
- مؤشرات التفوق: بالنظر إلى التطور المتسارع في الصناعات الصاروخية الكورية الشمالية، والنجاحات المتتالية في دمج المواد المركبة المقاومة للحرارة العالية، فإن القدرة على المناورة الباليסטية المنخفضة أصبحت واقعاً تكنولوجياً لا يمكن استبعاده، وهو ما تعترف به دوائر البنتاغون ضمناً.
- تحديات الاستنزاف: حتى مع وجود بعض القيود الفنية المتعلقة بفقدان الطاقة الحركية، فإن إجبار كوريا الجنوبية واليابان وأمريكا على تطوير شبكات رادار باهظة التكلفة وقائمة على منطاد الإنذار المبكر والأقمار المدارية المنخفضة يعد مكسباً استراتيجياً كبيراً لبيونغ يانغ.
تثبت تجربة «هواسونغ-16 بي» أن مفهوم “الإنذار المبكر التقليدي” يقترب بخطى ثابتة من مرحلة التقاعد الفني. فحين يصبح الصاروخ قادراً على المناورة خارج القوس المتوقع، والتخفي تحت أفق الرادارات في أمتار رحلته الأخيرة، فإن الدول الكبرى ستضطر لإعادة صياغة عقائدها الدفاعية بالكامل، والانتقال نحو أنظمة اعتراض فضائية واستشعار ذكي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لسد ثغرات “الاختفاء المفاجئ”.



إرسال التعليق