كيف يسيء الجانب السياسي قراءة تقارير المخابرات
العميد جنرال عبد اللطيف نواس بلجي
من الناحية الإستراتيجية والسياسية البحتة، تُعد إشكالية “تفسير وسوء قراءة تقارير المخابرات من قِبل صانع القرار السياسي” واحدة من أهم المعضلات التي تمت دراستها مطولاً في علم العلوم السياسية، وعلم النفس السياسي، ودراسات الاستخبارات (Intelligence Studies).
ويمكن تلخيص الأسباب الكلاسيكية لـ “سسوء قراءة” أو “إساءة توظيف” المسؤولين السياسيين لتقارير الاستخبارات في عدة نقاط جوهرية:
1. التحيز التأكيدي (Confirmation Bias)
يميل المسؤول السياسي غالباً إلى البحث عن أو تصديق المعلومات التي تتوافق مع قناعاته الشخصية أو أيديولوجيته السياسية أو وعوده الانتخابية السابقة. وعندما يتلقى تقريراً استخباراتياً، فإنه يفسر البيانات والقرائن المطروحة بما يدعم وجهة نظره المسبقة، ويتغاضى عن الإشارات التحذيرية التي تعاكسها.
2. التسييس المتبادل للتقارير (Politicization of Intelligence)
تحدث هذه الإساءة في الاتجاهين:
- من القمة إلى القاعدة: عندما يلمح المسؤول السياسي للجهزة الاستخباراتية برغبته في نتيجة معينة (مثل إيجاد مبرر لتدخل عسكري أو توقيع اتفاقية)، قد تضطر الأجهزة أحياناً -تحت الضغط- لتكييف صياغة التقارير لتلائم رغبة الرئيس أو الحاكم.
- من القاعدة إلى القمة: عندما يقوم السياسي بانتقاء (Cherry-picking) الفقرات والبيانات التي تخدم أجندته فقط من داخل التقرير الضخم، متجاهلاً السياق الكامل والتحفظات التي توضع عادة في متن التقرير.
3. الخلط بين “المعلومة” (Information) و”النية” (Intent)
التقارير الاستخباراتية تبرع عادة في رصد القدرات (Capabilities: ما يملكه الخصم من أسلحة أو قوات)، لكنها تخفق أحياناً أو تترك مساحة واسعة للتخمين فيما يخص النوايا (Intents: ما الذي سيفعله الخصم حقاً). وهنا يخطئ المسؤول السياسي باعتقاد أن توفر القدرة يعني بالضرورة حتمية الهجوم، أو العكس (التقليل من خطر الخصم بحجة أن نواياه سلمية رغم امتلاكه لقدرات مدمرة).
4. قلة الثقافة الاستخباراتية لدى القرار السياسي
لا يمتلك كل المسؤولين السياسيين الخبرة الميدانية أو الاستخباراتية لفهم لغة الاحتمالات والتقديرات التقنية التي تعتمد عليها أجهزة المخابرات. فالمخابرات لا تبيع “يقينيات” بل تقدم “تقديرات موقف مبنية على احتمالات” (مثل: ترجيح بنسبة 60% حدوث كذا)، بينما يبحث السياسي دائماً عن “أبيض أو أسود” ليتخذ بناءً عليه قراره الحاسيم، مما يؤدي إلى سوء فهم لمدى خطورة أو جدية المعلومة.
5. ضغوط الوقت وحجم التدفق الهائل للمعلومات
يعاني المسؤول السياسي رفيع المستوى من ضغط شديد في الوقت، وغالباً ما يُقدم له ملخصات سريعة (Briefings) أو تقارير مكثفة، مما قد يدفع إلى اختزال المعاني المعقدة وسوء تقدير الأبعاد الإستراتيجية الدقيقة للتقرير.



إرسال التعليق