اخر الاخبار

حكم الإعدام الصامت

الكاتبة نعيمة سلامة

حين يتوقف الإنسان عن الشجار، ويغلق باب العتاب، وينزع من صوته كل نبرات الرجاء أو عتب اللوم، يظن البعض خطأً أنه قد تضعضع أو استسلم. لكن الحقيقة أعمق بكثير مما يراه الناظرون على السطح؛ فهذا البرود المريب لا يُعد انتقاماً، ولا تكبراً… بل هو حكم إعدام صامت لكل من أساء استغلال طيبة قلب لم تُقدّر حق قدرها.

1. مهندسو الصمت: أين تذهب طاقة العتاب؟

العتاب في أصله هو محاولة أخيرة للإصلاح، ورسالة خفية تقول للطرف الآخر: “أنا أهتم لأمرك لدرجة أنني أتألم منك”. لكن حين تتكرر خيبات الأمل، وتُقابل التضحيات بالجحود والاستنزاف، يدرك العقل الباطن عبثية الكلام.

في هذه اللحظة بالذات، يُسحب رصيد الكلام من بنك المشاعر، ويُستبدل بحالة من الصمت الثقيل. إن البرود هنا ليس قسوة مفتعلة، بل هو الآلية الدفاعية الأخيرة التي يلجأ إليها الإنسان لحماية ما تبقى من كرامته الداخلية. إنه إعلان رسمي بأن الطرف الآخر لم يعد يستحق حتى طاقة الغضب أو النقاش.

2. النضج أم الندبة؟ سؤال لأصحاب العقول الحادة

حين نتأمل هذا التحول الجذري في الشخصية المعطاءة التي تحولت إلى صخرة جليدية، يطرح السؤال نفسه بحدة: هل تعتقد أن هذا الصمت القاتل هو قمة النضج واستعادة السيادة… أم مجرد ندبة عميقة لا تلتئم؟

  • من منظور النضج والسيادة: يمثل هذا البرود أعلى درجات الوعي النفسي والاستقلال العاطفي؛ فهو يعني أن الشخص تحرر أخيرًا من الارتباط السام والأشخاص الذين يستنزفون طاقته، وأصبح قادراً على توجيه بوصلة اهتمامه نحو ذاته وسلامه الداخلي بدلاً من إهدارها في علاقات لا تُثمّر إلا خذلاناً.
  • من منظور الندبة النفسية: لا شك أن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب مرورا بمحارق قاسية من الألم والاحتراق؛ فالجليد لا يتكون إلا بعد أن تشتعل النيران وتحرق الأخضر واليابس. إنها ندبة، نعم، لكنها ندبة محارب خرج من معركة طحنة فيها روحه، فارتدى درع الحماية الأبدي لئلا يتكرر السقوط.

خاتمة وخلاص

إن من يرتدي رداء الصمت والبرود بعد طول عطاء، لمن الصعب أن يعود كما كان. إنه ليس ضعيفاً، بل هو الأقوى لأنه استطاع أن يقتل التعلق الخاطئ بداخل جذوره.

شارِك المنشور لمن تعلم أنه مرّ بمحارق الاستنزاف وخرج منها منتصراً بصمته… ليعلم أن بروده الحالي هو تتويج لقوته الحقيقية وتاج احترامه لذاته.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك