العلم السري الممنوع ..علم الحرف وعلم الجفر

كريمة حسناوي

يُعد علم الحرف وعلم الجفر من أكثر العلوم غامضة الجوانب في التراث الإسلامي، وغالباً ما يحدث خلط شاسع بين حقيقتهما الفلسفية والصوفية وبين الممارسات السحرية والشعوذة. لفهم هذا العالم، يجب تفكيك المفاهيم بدقة:

أولاً: ما هو “علم الحرف” عند الصوفية والعرفاء؟

هو علم باطني فلسفي نشأ في أحضان التصوف الإسلامي المتقدم (مثل أطروحات ابن عربي، وأحمد البوني، وغيرهم)، ويقوم على الاعتقاد بأن الحروف الهجائية ليست مجرد رموز صوتية للتواصل البشري، بل هي اللبنات الأساسية التي خلق الله بها الكون (فبه ظهرت أعيان الموجودات بكلمة “كن”).

  • فلسفته: يرى الصوفية أن لكل حرف إيقاعاً، وطبعاً (نارياً، هوائياً، مائياً، ترابياً)، وأسراراً مرتبطة بأسماء الله الحسنى وآيات القرآن الكريم.
  • الغاية منه: الوصول إلى مرتبطة “المعرفة الإلهية” والصفاء الروحي، وتدبر أسرار التنزيل الحكيم، حيث اعتبره بعض الصوفية “سر الأولياء” الذي يمنحهم الله إياه كمنحة كشفية.

ثانياً: ما هو “علم الجفر”؟

  • لغةً واصطلاحاً: الجفر في الأصل يعني الجلد الصغير (لأن الجداول والأسرار كانت تُدّون قديماً على جلود الحيوانات).
  • تاريخياً: ينسب الشيعة والعديد من المدارس العرفية أصوله الأولى إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وكتابه المنسوب “الجفر الجامع”)، وهو علم يعتمد على حساب الجُمَّل (إعطاء قيم عددية للحروف العربية) لاستنباط بعض الحوادث المستقبلية أو قراءة مآلات الأمور من خلال النصوص.

ثالثاً: ما الفرق الجذري بين علم الحرف (الصوفي) وبين السحر والشعوذة؟

رغم تداخل الألفاظ والوسائل أحياناً في بعض المخطوطات القديمة، إلا أن الفارق بينهما جوزي وأخلاقي وديني:

المقارنةعلم الحرف والعرفان الصوفيالسحر والشعوذة والطلاسم
المنطلق والغايةيهدف إلى التأمل الإلهي، والتقرب إلى الله، وفهم أسرار الخلق والقرآن الكريم بصفاء روحي.يهدف إلى السيطرة، الإيذاء، جلب المنفعة الشخصية المحرمة، أو استجلاب قوى خفية لتحقيق غايات مادية أو إضرار الآخرين.
الوسيلةالاعتماد على الأذكار، الآيات القرآنية الصافية، والرياضات الروحية, والزهد وتزكية النفس.الاستعانة بالنجوم والكواكب بطرق شركية، تقديم القرابين للجن، استخدام الطلاسم المبهمة والنجاسات.
موقف الشريعة الإسلاميةمقبول نظرياً إذا بقى في إطار التأمل الفلسفي والروحي والتدبر، وإن كان بعض العلماء يتحفظون عليه خوفاً من الانزلاق.محرم قطعاً بل يعتبر من الكبائر (وقد يصل للشرك والكفر بحسب نوعه وممارسته) باتفاق جمهور الفقهاء.
أثر الممارسيورث صاحبه تواضعاً، وخشوعاً، وزهداً في الدنيا، وقبولاً حسناً بين الناس (إذا كان صافياً).يورث صاحبه مقت الناس، والخبث، والاضطراب النفسي والشيطاني، والعزلة المذمومة.

الخلاصة

باختصار؛ “علم الحرف” في أصله النوراني عند الصوفية هو أشبه بـ “رياضيات الروح” وتدبر رمزي لكلام الخالق. لكن، نظراً لغموضه الشديد وتعقيد رموزه، قام عبر التاريخ بعض الدجالين والسحرة باختراقه، وخلطوا الآيات والأسرار بالطلاسم الشيطانية، ونسبوها زوراً لعلماء كبار مثل أحمد البوني في كتب مثل “شمس المعارف”، مما جعل الناس تخلط بين الحكمة الصوفية وبين السحر والشعوذة.

فلسفة علم الحرف وأسرار الرموز في التراث

هذا الفيديو يقدم قراءة تحليلية حول كيفية تفاعل التراث الصوفي مع أسرار الحروف والمسافة الفاصلة بين الحقيقة والأسطورة في هذا العلم الغامض.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك