رواية العالم زشاريا سيتشن الممنوعة حول بداية البشرية
تفكيك فرضيات الشغف المعرفي: سيكولوجية رواية زشاريا سيتشن ونشأة البشرية
الدكتورة سمية جمال حسني
تُعد الطروحات التي قدمها الكاتب الأمريكي ذو الأصول الروسية زشاريا سيتشن (Zecharia Sitchin) من أكثر الروايات إثارة للجدل في القرن العشرين؛ حيث نجح في مزج التاريخ القديم بالخيال العلمي عبر إعادة تفسير الميثولوجيا السومرية والبابلية، محولاً الأسطورة إلى سيناريو فضائي يبحث فيه الإنسان عن أصل وجوده.
أولاً: من هو زشاريا سيتشن؟
زشاريا سيتشن (1920 – 2010). المصدر: AbeBooks
- النشأة والخلفية: ولد سيتشن عام 1920 وتوفي عام 2010. درس العلوم الاقتصادية والتاريخ في جامعة لندن، وعمل كصحفي ومترجم قبل أن يكرس حياته لكتابة الفرضيات التاريخية البديلة.
- مشروعه الفكري: أصدر سلسلة كتب شهيرة بعنوان “حرون الأرض” (The Earth Chronicles)، وكان أولها كتابه الشهير الكوكب الثاني عشر (The 12th Planet) عام 1976.
- المنهجية: ادعى سيتشن قدرته العميقة على قراءة الخط المسماري والألواح السومرية القديمة، وزعم أن النصوص الدينية والتاريخية القديمة ليست مجرد رموز أو أساطير، بل هي سجلات تاريخية وتوثيق علمي لواقع مادي.
ثانياً: رواية سيتشن لخلق الكون وبداية البشرية
1. كوكب “نيبيرو” والتصادم الكوني
يزعم سيتشن وجود كوكب مجهول يُدعى “نيبيرو” (Nibiru) يدور حول الشمس في مدار بيضاوي متطاول يستغرق 3600 سنة لإتمام دورة واحدة. وفقاً لروايته، حدث قبل ملايين السنين تصادم كوني بين أحد أقمار نيبيرو وكوكب قديم يُدعى “تيامات”، مما أدى لتشكل كوكب الأرض وحزام المشتري.
2. هبوط “الأنوناكي” والبحث عن الذهب
يدعي سيتشن أن سكان كوكب نيبيرو—والذين أطلق عليهم السومريون اسم “الأنوناكي” (Anunnaki) أَي الذين نزلوا من السماء إلى الأرض—واجهوا أزمة بيئية في الغلاف الجوي لكوكبهم. ولإنقاذه، احتاجوا إلى تقنية تقتضي إرسال طبقات من جزيئات الذهب الخالص إلى غلافهم الجوي. هبط الأنوناكي على الأرض قبل نحو 450,000 سنة، وأقاموا مستعمرات استخراج في مناطق جنوب إفريقيا وبلاد الرافدين.
3. الهندسة الوراثية وخلق “الإنسان الأول”
بعد قرون من العمل الشاق في المناجم، ثار العمال من الأنوناكي ضد قيادتهم. لحل هذه المشكلة، اقترح أحد قادتهم العلميين (الإله إنكي – Enki) خلق “عرق خادم” لحمل عبء العمل:
- التعديل الجيني: يزعم سيتشن أن الأنوناكي قاموا بدمج الحمض النووي (DNA) الخاص بهم مع الحمض النووي لكائنات “المنتصبين” (Homo erectus) التي كانت تعيش على الأرض.
- ولادة “الأدامو”: أثمرت هذه التجربة الجينية—وفق زعم سيتشن—عن خلق الإنسان الأول (Adamu)، والذي تم تدجينه وتطويره ليكون قارئاً، كاتباً، وخادماً للآلهة، وهو ما فسر به سيتشن القفزة الحضارية السريعة للسومريين.
ثالثاً: القراءة النقدية والسيكولوجية لفرضيّات سيتشن
رغم انتشار كتبه وبلوغ مبيعاتها ملايين النسخ، إلا أن أطروحات سيتشن قوبلت برفض قاطع من الأوساط الأكاديمية والعلمية:
| المفهوم | ادعاء سيتشن | التفنيد الأكاديمي والعلمي |
|---|---|---|
| اللغة السومرية | ترجمة حصرية لألواح الخلق والأنوناكي. | أكد علماء الآشوريات (مثل هاري هوفنر) أن ترجمات سيتشن خاطئة ومجتزأة وتعتمد على إخراج الكلمات من سياقها اللغوي. |
| كوكب نيبيرو | كوكب حقيقي يمر بالأرض كل 3600 عام. | أكدت وكالة “ناسا” والمراصد الفلكية عدم وجود أي جرم بهذا الحجم داخل النظام الشمسي الداخلي، لأن آثاره الجاذبية كانت ستدمر مدارات الكواكب. |
| النشأة الجينية | تعديل وراثي فضائي للأنواع. | يُثبت علم الجينات الحديث عبر السجل الأحفوري ورموز الـ DNA التطور التراكمي الطبيعي للبشر دون تدخل خارجي غريب. |
التحليل السيكولوجي لظاهرة “سيتشن”
من المنظور النفسي، يُلبي نموذج سيتشن احتياجاً سيكولوجياً متجذراً لدى الإنسان المعاصر؛ فهو يمنح الفرد شعوراً بالدهشة والتميز المعرفي، ويتيح له الهروب من عشوائية الكون عبر صياغة “أسطورة حديثة” ترتدي ثوب العلم والتكنولوجيا. إن أسطورة “الأنوناكي” ليست سوى إسقاط لرغبة الإنسان الدائمة في إيجاد صانع مادي مباشر يفسر سر وجوده وعبقريته الحضارية.



إرسال التعليق