حيزية: أسطورة أم حقيقة؟
كريمة حسناوة
منذ أن أطلق الشاعر مصطفى بن إبراهيم مرثيته الخالدة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وحكاية “حيزية” تسكن وجدان المخيال الجمعي الجزائري؛ تتداولها الأجيال كواحدة من أعظم قصص الحب والعفاف في تاريخ الصحراء. غير أن السؤال الذي طالما أثار الجدل بين المؤرخين، النقاد، وعشاق التراث هو: هل كانت حيزية شخصية حقيقية مشت على أرض سيدي خالد ببيسكرة، أم أنها مجرد أسطورة نسجتها مخيلة شاعر مكلوم للتعبير عن اللوعة والجمال؟
تفكيك سيكولوجيا هذه الظاهرة الأدبية والإنسانية يكشف عن التقاء سحري بين الحقيقة التاريخية والرمزية الأسطورية:
1. الحقيقة التاريخية: شواهد المكان والوثيقة الشفهية
على الصعيد التاريخي والأنثروبولوجي، تؤكد الشواهد والمدونات التراثية أن “حيزية بوعكاز” شخصية حقيقية عاشت في القرن التاسع عشر، وتحديداً في منطقة سيدي خالد بولاية بسكرة. هي ابنة أحد أعيان قبيلة “الظواهرة” البدوية، وعاشت قصة حب صادقة وعفيفة مع ابن عمها “سعَيّد” (سعيد)، وتوفيت وهي في زهرة شبابها (حوالي سن الثالثة والعشرين) عام 1878م، ودُفنت في المقبرة التي تحمل اسمها اليوم بالمدينة.
إن وجود القبر المعلوم، والرواية الشفهية المتواترة لدى أبناء المنطقة، إضافة إلى النص الشعري الأصلي الذي حدد أسماء الأماكن والقبائل بدقة جغرافية متناهية (من العالية إلى تل باز)، كلها قرائن تاريخية تجعل من وجود حيزية الواقعي حقيقة لا تقبل الشك.
2. التجسير الأسطوري: حين يحول الفن الواقع إلى رمز
إذا كانت حيزية امرأة من لحم ودم، فكيف تحولت إلى “أسطورة”؟ تكمن الإجابة في النص الشعري العبقري للشاعر بن إبراهيم. لقد وظف الشاعر تجربة الفقد واللوعة النفسية ليصنع من حيزية تحفة جمالية تتجاوز المرأة الفرد لتصبح رمزاً للجمال المطلق، العفاف البداوي، والحزن النبيل.
سيكولوجياً، يميل العقل الجمعي للأمم إلى “أسطرة” الشخصيات الواقعية التي تتصف بالجمال الاستثنائي والنهايات الفاجعة. مقتل حيزية المفاجئ بالمرض ورحيلها الخاطف حوّلها في أذهان الناس من مجرد فتاة بدوية إلى “أيقونة” شائعة تطارد الأرواح، وتبث في النفوس حالة من الشجن المستمر، تماماً كما حدث مع “ليلى” في التراث العربي أو “جولييت” في التراث الغربي.
3. سحر النص وسيكولوجيا الخلود
إن قوة قصيدة “حيزية” تعود إلى قدرتها على ملامسة أعمق مناطق الوجدان الإنساني؛ فهي تزاوج بين الوصف الحسي الدقيق لجمال المرأة البدوية وبين اللوعة الفلسفية أمام حقيقة الموت والزوال. لم تكن القصيدة رثاءً لعاشق فحسب، بل كانت بكائية على الشباب المفجوع والنعمة التي اختطفتها الأقدار في قمة تجليها.
هذا المزيج العاطفي الصادق هو الذي جعل حيزية تتخطى حدود الزمان والمكان، لتعبر عبر المسرح، السينما، والموسيقى (بأصوات كبار الفنانين كخليفي أحمد وعلي ذراع ورابح درياسة)، مكرسةً حضورها كرمز ثقافي خالد.
إن “حيزية” ليست مجرد حكاية يُختلف حول واقعيتها، بل هي حقيقة تاريخية ارتقى بها الشعر والفن إلى مرتبة الأسطورة. هي المرأة التي عاشت بين رمال الصحراء زمناً قصيراً، لكنها سكنت الذاكرة الجزائرية للأبد؛ لتثبت لنا أن الحب الصادق والجمال الخالص قادران على هزيمة الموت والخلود في وجدان الشعوب.



إرسال التعليق