مذكرات ضابط شرطة في الريف..أسرار المزار وشبحٌ من الماضي

بقلم: جميل مرتضى

الحلقة الثالثة: أسرار المزار وشبحٌ من الماضي

انطلقنا أنا والدركي “حليم” مع هبوط العتمة الشاملة على جبال “عين التوت”. كانت طريق “وادي الصفا” ضيقةً وموحشة، تحفّها أشجار السنديان الكثيفة وترتعد فيها أصداء الريح. سلّكتُ مسدسي “الويبلي” تحت المعطف، وأمسك حليم بفانوسٍ مغطى بقطعة قماشٍ كحيلة كي لا يشي بنا نورُه للعيون الراصدة.

وصلنا إلى المغارة؛ فتحةٌ ضيقة في صدر الجبل الصخري تشبه فماً مفتوحاً يبتلع العتمة. تسللنا إلى الداخل بحذر، وكانت رائحة الرطوبة والعفن تمتزج برائحة غريبة.. رائحة “بارود” قديم وحطبٍ محروق!

أضاء حليم الفانوس قليلاً، فكشفت دائرة الضوء الضيقة عن صناديق خشبية عتيقة مصفوفة في القاع، يحمل بعضها أختاماً عسكرية بريطانية تعود لعام 1941! كانت هذه هي الأسلحة والذخائر التي خلّفتها قوات الانتداب أثناء انسحابها وتراجعها، والتي سُجلت حينها على أنها “مفقودة في الوديان”.

لكن المفاجأة التي جمدت الدم في عروقنا لم تكن الصناديق.. بل وقع الخطوات التي اقتربت من مدخل المغارة بخفةٍ وثبات!

احتمينا خلف جدارٍ صخري ورفعنا السلاح. ظهر ظلُّ رجلٍ يحمل بندقية صيد قديمة. وعندما عبر تحت شعاع الفانوس الباهت، حبس حليم أنفاسه وشهق بصوتٍ مكتوم: — “يا عدرا!.. هذا مستحيل!”

كان الرجل يرتدي شروالاً عريضاً، ويمشي بخطوة عريضة تفصلها مسافة نادرة.. وفي قدمه اليسرى حذاءٌ ذو كعبٍ مقطوع! لكن وجهه المضاء بنور الفانوس لم يكن وجه قطاع طرق أو مهرب غريب.. كان “خليل”! الشاب الذي عُثر على جثته عند “شير الضبع” قبل أربعة أيام والجميع يظنه ميتاً!

خرجتُ من مخبأي مسدداً المسدس نحو صدره وصحت: — “مكانك يا خليل! لا تتحرك وإلا أطلقت النار!”

توقف الشاب، ولم تظهر على وجهه علامات الفزع، بل رسمت شفتاه ابتسامة مريرة، ورمى بندقيته على الأرض قائلاً: — “كنتُ أعلم أنك ستصل إلى هنا يا حضرة الضابط.. لكنك تأخرت كثيراً. الشيخ عبد القادر دفع حياته ثمناً للسر!”

اقتدنا خليل تحت حراسة مشددة إلى زنزانة المخفر بعيداً عن أعيان الضيعة. وهناك، وفي هدوء ما قبل الفجر، جلس خليل على المصطبة الحجرية ليروي لي الحقيقة التي هزت كل معتقداتي عن هذه القرية:

— “الجثة التي وجدوها عند ‘شير الضبع’ لم تكن جثتي يا سيدي الضابط.. بل كانت جثة أحد المهربين الأجانب الذين أرسلهم ‘أبو رشيد’ للتخلص مني. تشوهت جثته بعد السقوط، فاستغل الشيخ عبد القادر الفرصة وألبسه عباءتي وأشاع أنني الميت، ليخفيني في الجبل حتى نكشف العصابة.”

تنفس خليل ببطء وتابع وهو يمسح وجهه بكفيه: — “أبو رشيد لم يكن يتاجر بالقماش والزيت كما يظن أهالي الضيعة؛ بل كان يبيع أسلحة هذه المغارة لقطاع الطرق، وكان الشيخ عبد القادر قد اكتشف الأمر ومنعه من استغلال أرض الوقوف التابعة للمسجد لتهريب السلاح. وفي الليلة التي قُتل فيها الشيخ، خرج ليقابل أبا رشيد ليقنعه بالتوبة وتسليم السلاح للشرطة.. لكن أبا رشيد لم يكن يبحث عن توبة!”

صدمتي الأولى لم تكن في اتهام “أبو رشيد”، أثرياء الناحية ووجهاؤها، بل في التفصيل القاتل الذي غفل عنه الجميع: الحذاء ذو الكعب المقطوع!

نظر خليل إلى حذائه وقال: “أنا لم أقتل الشيخ، هذا حذائي بالفعل، لكن ‘أبو رشيد’ استعاره مني قبل أسبوع بحجة أنه يريد الذهاب إلى الحقل ولم يردّه لي إلا مساء أمس بعد وقوع الجريمة!”

في تلك اللحظة، سمعنا صخبًا عاليًا يجتاح ساحة المخفر الخارجيه. فتحتُ نافذة المكتب الحجرية بحذر، لأجد المختار “أبو أسعد” ومعه أبو رشيد وعشرات الرجال يحملون المشاعل والبنادق، ويحيطون بالمخفر من كل جانب!

صاح أبو رشيد بصوتٍ جهوري يهز أركان الليل: — “يا حضرة الضابط! علمنا أنك تخفي القاتل ‘خليل’ في الزنزانة! سلّمنا القاتل لنقيم عليه حد الضيعة، وإلا هددمنا المخفر على رأسك ورأسه!”

وقفتُ خلف الباب المغلق، وضغطتُ على قبضَة مسدسي، وأدركتُ أن ليلة الحساب قد بدأت.. وأن القانون المكتوب في بيروت يستعد لخوض معركته الأخيرة ضد عُرف الجبل!

(تتبع الحلقة الرابعة…)

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك