مذكرات ضابط شرطة في الريف ..1

جميل مرتضى

الحلقة الأولى: الطريق إلى “عين التوت”

كان الخريفُ في أواخر أيلول من عام 1944 يقبض على جبال لبنان بنسائمه الباردة، حين أُبلغتُ بقرار نقلي من مخفر بيروت المركزي إلى قرية “عين التوت” القابعة في أعالي الضنية. لم يكن القرار مكافأةً بأي حال؛ بل كان العقاب اللطيف الذي يمنحه المفتش الفرنسي للضباط الذين يتطوعون بطرح الكثير من الأسئلة ويكرهون إغلاق الملفات بردمها تحت الأتربة.

حزمتُ حقيبتي الجلدية المتهالكة، ووضعتُ فيها دفترين فارغين، وبضعة أقلام حبر، ومسدسي من طراز “ويبلي” الذي رافقني منذ التحاقي بسلك الشرطة. كانت الحافلة التي تقلني تتسلق الطرقات الترابية الملتوية، وتاركة خلفها صخب العاصمة وصحفها التي تتحدث عن صيف الاستقلال القريب ودستور البلاد الجديد، لتدخل بي إلى عالم آخر؛ عالمٍ تخضع فيه القوانين لعرف الشيخ، وصوت البارودة، وهيبة مختار الضيعة.

وصلتُ إلى “عين التوت” مع هبوط العتمة. كانت القرية بيوتاً متناثرة من الحجر القاسي، تعلوها أسطح القش والحطب، ويهيمن عليها ضبابٌ كثيف ينزل من القمم ليعزلها عن بقية العالم. كان المخفر عبارة عن غرفة حجرية واسعة بجانبها زنزانة صغيرة، وسقف ينز منه الماء عند كل مطر غزير.

استقبلني الملازم القديم —الذي كان يستعد للتقاعد— بنظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والسخرية. وضع أمامي الفانوس النفطي، وفنجان قهوة محروقة، وقال وهو يشد على معطفه الصوفي: — “استلم المفاتيح يا سيد توفيق. هنا، القانون هو القهوة المرة والوجاهة. لا تحاول أن تكون بطلاً، فالجبال لا تحب القوانين التي تُكتب في بيروت.”

في ليلتي الأولى، وأنا أجلس خَلف المكتب الخشبي العتيق أستمع إلى صرير الريح في أشجار الجوز المحيطة بالمخفر، أخرجتُ دفتري البكر، وكتبتُ السطر الأول: “الريف ليس هادئاً كما يظن أهل المدينة؛ إنه فقط يكتم أنفاسه لكي لا يفتضح أمره.”

لم يكد الحبر يجف، حتى قُطع صمت الليل بطرقات خفيفة متلاحقة على باب المخفر. لم تكن طرقات خائف يستغيث، بل طرقات شخص يعرف تماماً ماذا يريد.

فتحتُ الباب ليدخل رجلٌ مسن، يرتدي الشروال الكحلي العريض واللّفّة البيضاء، وعيناه تقدحان ذكاءً وحدة. عرفتُه فوراً؛ إنه المختار “أبو أسعد”، الحاكم الفعلي للضيعة.

وقف أمامي، ونظر إلى بزتي العسكرية الأنيقة وساعتي اليدوية، ثم ابتسم ابتسامة غامضة وقال: — “أهلاً بالضابط الجديد. أتيتم في وقتكم يا حضرة الملازم.. ليلة أمس، وُجد جثمان الشاب ‘خليل’ عند شير الضبع، والجميع يقول إنه سقط من العلو أثناء الرعي… لكن الحبل الذي كان يربط وسطه قُطع بسكين، لا بحافة الصخر!”

سكت المختار لحظة، ثم اقترب مني وهمس بنبرة لم أستطع تحديد إن كانت تحذيراً أم دعوة للتعاون: — “الضيعة تغلي يا ابني، وإذا أعلنتَ أنها جريمة قتل قبل أن نعرف من وراءها، فلن تكفيك كل سرايا الشرطة في طرابلس لإيقاف الدم بين العائلات.”

نظر إلى دفتري المفتوح على الطاولة، ثم حوّل بصره إليّ وقال: “اكتب ما شئت في أوراقك.. لكن حارِس خطوتك الأولى جيداً.”

خرج المختار في الضباب، وتركتني كلماته أمام أول أختبار حقيقي: هل أطبّق القانون كما تعلمته في الكتب، أم أسيير في مع مع مع معابر الوجاهة والعرف التي تحكم هذه الجبال؟

رفعتُ القلم، وبدأتُ أسطر تفاصيل القضية الأولى…

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك