أصل ونسب الأمازيغ في منطقة القبائل (تيزي وزو، بجاية، والبويرة)

د. علي بوجابر

تُعد منطقة القبائل (الممتدة جغرافياً وغابياً وعمرانياً عبر ولايات تيزي وزو، بجاية، البويرة، وبومرداس) واحدة من أبرز الحواضن الثقافية والتاريخية للأمازيغ ليس فقط في الجزائر بل في شمال إفريقيا أجمع. تتميز هذه المنطقة بخصوصية أنسابها وتعدد روافدها التاريخية التي صاغت على مدار قرون طويلة هوية متفردة ونسيجاً بشرياً متماسكاً.

يتناول هذا المقال الجذور التاريخية والأنساب الكبرى المكونة لسكان منطقة القبائل (المعروفين تاريخياً وعلمياً بـ الزواوة وبجاية ومحيطها).

1. الإطار الجذري: الانتماء العام (البُرانس)

في كتب الأنساب الكبرى ومدونات المؤرخين مثل ابن خلدون، يُصنف أمازيغ منطقة القبائل ضمن فرع “البُرانس”، وهو أحد الجذمين الرئيسيين للأمازيغ (إلى جانب “الماتغري/البتر”). والبرانس هم أبناء «برنس بن بر، بن مهرا، بن كنعان»، وتفرعت عنهم بطون عظيمة استقرت في شمال إفريقيا، وكان لبطون صنهاجة وكتامة الحظ الأوفر والامتداد الأوسع في جبال جرجرة والبابور.

2. الروافد التاريخية الكبرى للأنساب في تيزي وزو، بجاية، والبويرة

تتوزع الأنساب والعروش في هذه الولايات الثلاث على أساس تكتلات قبلية عريقة، أبرزها:

  • قبيلة زواوة التاريخية (أث زواوي): تُعد “زواوة” الإطار العشائري الأبرز والأكثر شهرة في جبال جرجرة وما حولها (تيزي وزو والبويرة أجزاء واسعة منها). وتختلف المصادر التاريخية في تفريع نسبهم الدقيق؛ فمنهم من يربطهم بأرومة صنهاجة الكبرى، ومنهم من يدرجهم ضمن بطون كتامة أو حلف قبلي واسع استوطن هذه المرتفعات المنيعة. لعبت زواوة دوراً سياسياً وعلمياً بارزاً، وعُرف عنهم استقلالية قرارهم ومنعتهم الجغرافية.
  • بطون صنهاجة البابور والساحل (بجاية وما حولها): تمتد ولاية بجاية (عاصمة الحماديين تاريخياً) على مجالات استقرت فيها بطون صنهاجية كبرى. وقد شكلت هذه القبائل القاعدة البشرية لدولة بني حماد (الدولة الحمادية)، التي اتخذت من قلعة بني حماد ثم بجاية (بصاية) عواصم حضارية وعلمية كبرى في العصر الوسيط.
  • الأحلاف والعروش المعاصرة (أث …): على مستوى التنظيم الاجتماعي الداخلي، تنقسم هذه المناطق إلى “عروش” وقرى ذات تنظيم ديمقراطي تقليدي دقيق يُعرف بـ “الأجمماع” (مجلس القرية). ومن أشهر الفروع والعروش المنتشرة:
    • في تيزي وزو: عروش مثل أث يراتن، أث وغانم، أث منغلات، أث جناد، وغيرها.
    • في بجاية: عروش وادي الصومام، وأث يوريث، وأث سماعيل، وأماكن امتداد قبائل إيلول وأقبو.
    • في الببويرة: تداخلات واسعة لبطون زواوة مع تخوم الهضاب العليا، مثل عروش سور الغزلان، وأقبلي، وعين الحجل ومحيط الجرجري.

3. التداخل والامتزاج التاريخي

لم تكن منطقة القبائل بمعزل عن الهجرات البشرية والحركات التاريخية؛ فقد شهدت تعاقباً لعدة موجات:

  • التأثير الإسلامي والعربي: مع دخول الإسلام والفتوحات، ثم الهجرات العربية اللاحقة (كالهلاليين)، حدث تداخل ديموغرافي وثقافي وتزاوج واسع في التخوم والهضاب المحيطة بمنطقة القبائل، مما أدى إلى صياغة هوية إسلامية أمازيغية متجذرة.
  • العمق العلمي والديني: اشتهرت هذه المنطقة عبر التاريخ بانتشار “الزوايا” القرآنية والعلمية (مثل زاوية الهامل، وزاوية سيدي عبد الرحمن، وغيرها)، والتي ساهمت في استقطاب طلبة العلم من كل أنحاء القطر الجزائري وخارجه، مما عزز التلاحم الروحي والاجتماعي.

يُمثل أصل ونسب أمازيغ منطقة القبائل (تيزي وزو، بجاية، والبويرة) امتداداً حياً لأعرق جذور التاريخ الجزائري والشمال إفريقي. إن التحام جغرافية الجبال الوعرة بصلابة الإنسان الأثري وصناعته لأنظمة تسيير محكمة عبر العروش والقرى، جعل هذه المنطقة حصناً منيعاً للهُوية واللغة والتقاليد الأصيلة التي تضافرت لتشكل ركناً أساسياً لا يتجزأ من الهُوية الوطنية الجزائرية الجامعة.

إرسال التعليق

اخبار قد تهمك