استنزاف المعركة وأزمة “أمر الاستدعاء 8”: جيش اسرائيل يواجه معضلة العنصر البشري
بشار رشدي
لم تعد أزمة جيش الاحتلال الإسرائيلي تقتصر على معارك التكتيك والميدان أو حسابات الربح والخسارة العسكرية الشكليّة، بل انتقلت لتصطدم بالهيكل الأساسي الذي يُقام عليه هذا المؤسسة: العنصر البشري.
معطيات الميدان، مصحوبة بالتصريحات المتصاعدة داخل مجتمع الكيان، تؤكد أن المؤسسة العسكرية تعاني من نقص حاد وغير مسبوق في أعداد الجنود؛ وهو ما ينعكس بشكل مباشر على الأداء الميداني وتراجع وابل الهجمات السريعة التي طالما تبناها الجيش تاريخياً.
تحذيرات السياسة ورئاسة الأركان: جرس الإنذار الأحمر
لم يأتِ الحديث عن انكماش القدرة البشرية للجيش من فراغ، بل تفجر عبر تصريحات متلاحقة لأبرز قادة الكيان وسياسييه، والتي حوّلت ملف التجنيد إلى قنبلة موقوتة في قلب الحملات الانتخابية.
- نفتالي بينيت: خرج بتصريح شديد الخطورة أكد فيه أن أعداد الجنود المتاحين لم تعد تكفي لحجم ونوعية الجبهات متعددة المحاور التي يصر بنيامين نتنياهو على فتحها والاستمرار فيها. هذا التصريح، النابع من خلفية أمنية وسياسية، ينسف الخطاب الانتخابي لنتنياهو القائم على وهم “مواصلة الحرب حتى النصر”.
- يائير لابيد: جاء موقفه أكثر حدة ومباشرة، حيث كشف أن رئيس أركان الجيش وجه ما لا يقل عن 10 تحذيرات متتالية للقيادة السياسية بشأن العجز الهيكلي في صفوف القوات. وأضاف لابيد موجهاً خطابه لنتنياهو: “إذا كنت حريصاً على التطورات الأمنية، فلتذهب لتجنيد 15 ألفاً من الحريديم الذين يمثلون الفراغ الحقيقي في صفوف الجيش”.
- رئيس الأركان: يواصل بدوره دق “جرس الإنذار الأحمر” أمام المستوى السياسي، موضحاً أن النزيف العددي وضغط الخدمة المتواصل قد وصلا إلى مرحلة الحرَج التنفيذي.
“أمر الاستدعاء رقم 8”: دلالات التمديد وأزمة “التهرب الصامت”
تجلت أبعاد هذه الأزمة بصورة رسمية عندما أصدر جيش الكيان أمر الاستدعاء رقم 8 في 3 أغسطس 2026، وهو أعلى وأقصى درجات أومر الاستدعاء الطارئة المعتمدة في أوقات الحروب الكبرى.
لكن مؤشر الخلل الحقيقي لم يكن في إطلاق الأمر، بل في تمديده خلال شهر سبتمبر ومناقشة الحكومة لتمديده لفترات أطول.
مكمن الخطر: اصطدم هذا التمديد المتكرر بصدمة التملص العسكري؛ إذ يرى مسؤولون عسكريون أن إجبار جنود الاحتياط على الخدمة لمدد قياسية وطويلة في السنة الواحدة أمرٌ يفوق الطاقة الاستيعابية والاجتماعية والإنهاك النفسي.
هذا الضغط تسبب في بروز ظاهرة “التهرب الصامت” والعزوف غير المسبوق من قِبل شباب الاحتياط والمستوطنين المؤقتين عن الاستجابة للأوامر العسكرية. فبينما كان يُفترض بإصدار أمر الاستدعاء رقم 8 في أغسطس أن يعكس سيطرة كاملة واستجابة من عشرات الآلاف، جاء الواقع الميداني والمسكوت عنه إعلامياً ليكشف تراجعاً حاداً في نسب الالتحاق.
الانعكاسات الميدانية: من الهجوم السريع إلى القضم البطيء والعصابات
هذا العجز في العنصر البشري انعكس بشكل مباشر على شكل وأداء العمليات العسكرية الميدانية في مختلف المحاور:
- مخطط الاعتماد على العصابات: كشفت واقعة إلقاء القبض على الخلية في قطاع غزة عن مخطط للاعتماد على عصابات وأطراف بديلة لشن هجوم واسع؛ وهي إشارة صريحة إلى وجود معضلة عميقة تعطل تنفيذ أي عمل عسكري بري مركز يعتمد على قوات نظامية كاملة العدد.
- تكتيك “القضم البطيء” في لبنان: انخفاض وتيرة التصعيد والاعتماد على حركة قضم بطيئة جداً يُعتبر مؤشراً أحدث على أزمة القوة البشرية. الجيش الذي كان يُعرف تاريخياً بالسرعة والمناورة الخاطفة، أصبح يُجبر على اعتماد مقاربة قائمة على تقليل الخسائر إلى أدنى حد ممكن، نتيجة خشية قيادته من كلفة بشرية لا يمكن تعويضها.
على الرغم من أن المستوى السياسي يحاول تسويق الإنجاز الميداني البطيء على أنه تحقق للمخطط ورغبة في النفس الطويل، إلا أن الحقيقة التي تشير إليها الوقائع وأرقام الاستدعاء هي أن جيش الكيان يتقلص بشدة. المعركة لم تعد تُدار فقط بالعتاد والغطاء الجوي، بل باتت تحكمها معادلة الاستنزاف التي تحرم الجيش من أثمن ما يملك: القدرة على الاستمرار بقوة بشرية متماسكة.



إرسال التعليق