اخر الاخبار

كاريزما الصمت المهيب: كيف أعاد زين الدين زيدان صياغة لغة النفوذ في الإعلام العالمي؟

كريم مسعودي


في عالم رياضي معاصر غارق في صخب منصات التواصل الاجتماعي، والحروب الكلامية الممنهجة، والمؤتمرات الصحفية التي تحولت إلى عروض ترفيهية (Pop-corn press)، يقف النجم والمدرب الفرنسي الأسطوري زين الدين زيدان كظاهرة اتصالية نادرة جداً، بل وتكاد تكون فريدة من نوعها في تاريخ الإعلام الرياضي الحديث [1.4, 1.10]. فبينما يقاتل الجميع من أجل “الظهور”، يمارس زيدان نفوذه وسطوته عبر “الغياب والتحفظ”، صانعاً هيبة شخصية خارقة أربكت الحسابات التقليدية لغرف الأخبار العالمية.

إن دراسة كاريزما “زيزو” في مواجهة الآلة الإعلامية تكشف عن هندسة نفسية وسلوكية نادرة، أعادت تعريف مفهوم الهيبة الرياضية من خلال أبعاد تكتيكية بالغة الدقة:


1. عقيدة “الغموض الاستراتيجي” وسحر الندرة

تعتمد العلاقة التقليدية بين المشاهير والإعلام على المبالغة في التدفق الخبري؛ فاللاعب أو المدرب بحاجة للحديث دائماً ليبقى معاصراً. أما زيدان، فيعتمد عقيدة “الندرة الشديدة”؛ إنه لا يمنح مقابلات حصرية إلا في المناسبات التاريخية، ولا يسرب أخباراً للمقربين، ولا يملك حسابات تنطق بآرائه الشخصية على منصات التواصل.

هذا الصمت والغموض حول خطواته المقبلة—سواء في فترة تدريبه لريال مدريد أو خلال سنوات ابتعاده الحالية عن الملاعب—يجعل من أي ظهور له، أو حتى التقاط صورة عابرة له في محفل عام، حدثاً إعلامياً يتصدر الصفحات الأولى. لقد نجح زيدان في قلب الآية: بدلاً من أن يجري خلف الإعلام، جعل الإعلام يقف في طوابير طويلة يحلل “صمته” ويبحث عن فك شفرات نظراته.

2. المؤتمر الصحفي كساحة لـ “التنويم المغناطيسي”

خلال فترتيه التدريبيتين مع ريال مدريد، واجه زيدان أشرس الصحفيين الرياضيين في إسبانيا وأوروبا. ورغم الأسئلة الاستفزازية والمفخخة التي كانت تُطرح عليه لإيقاعه في فخ التصريحات النارية، كانت هيبته تفرض بروتوكولاً صارماً داخل القاعة:

  • الابتسامة الهادئة كدرع واقٍ: لم يظهر زيدان يوماً غاضباً أو متوتراً في مؤتمر صحفي. كان يستقبل أشد الانتقادات بابتسامة باردة وودودة، تفقد السؤال الهجومي قيمته وعدوانيته فوراً.
  • إجابات الدبلوماسية المقتضبة: يمتلك مهارة نادرة في الحديث لدقيقتين دون أن يمنح الصحفي مانشيتاً واحداً يمكن استغلاله للإثارة. إنه يجيب باحترام شديد للجميع، لكنه يضع حدوداً غير مرئية لا يجرؤ أحد على تخطيها، فيما يُشبه “التنويم المغناطيسي اللغوي” الذي يهدئ العاصفة قبل أن تبدأ.

3. “لغة الجسد” التي تفرض الصمت

تمثل البنية الفيزيائية والملامح الحادة لزيدان جزءاً لا يتجزأ من هيبته الإعلامية؛ فنظرات عينيه المباشرة والثابتة أثناء الاستماع لأسئلة الصحفيين تعكس ثقة مطلقة بالنفس وقدرة عالية على التحكم في الموقف. وعندما يتحدث، يدمج بين نبرة صوته الهادئة والمنخفضة نسبيّاً (التي تجبر الجميع على الصمت والإنصات الشديد لسماعه) وحركات يديه المتزنة. هذه “الكاريزما الجسدية الطاغية” تنقل رسالة واضحة للإعلام: أنا لست هنا لأدافع عن نفسي، بل أنا هنا لأقود المشهد.


إرسال التعليق

اخبار قد تهمك