شجاعة النزول إلى الميدان: عندما تتحول الاستراتيجية إلى مساحة عزل للقائد
ليمام عمار
كلما ابتعد القرار عن مصدر المعلومة، ازدادت احتمالات انفصاله عن الواقع. هذا الانفصال الخطير لا يحدث في ليلة وضحاها داخل المنظمات، بل يبدأ تدريجياً وبخطوات تبدو في ظاهرها منظمة. في البداية، يبتعد المسؤول عن التفاصيل اليومية الصغيرة بحجة التفرغ الكامل للصورة الكبرى والتخطيط الاستراتيجي، وهو أمر ضروري ومفهوم في حد ذاته لإدارة السفينة. لكن الخطر القاتل يبدأ عندما تتحول هذه «الصورة الكبرى» إلى مساحة عازلة تحجب تفاصيل الواقع اليومي، فيصبح المسؤول كائناً يعيش على التقارير المكتوبة، وأقل احتكاكاً بالواقع الفعلي الذي يفترض أن تعالجه قراراته وتصلحه خططه.
إن النزول من البرج الإداري إلى الميدان يحتاج إلى شجاعة حقيقية؛ لأن الميدان لا يقدم دائماً الإجابات اللطيفة التي نرغب في سماعها، أو الأرقام التي تريح ضمير القيادة. هناك، على الأرض، قد يكتشف المسؤول وجهاً لوجه أن بعض قراراته التي صفق لها الجميع في المكاتب المكيفة لم تحقق النتائج المتوقعة، وأن بعض الإجراءات المعقدة لم تُطبق أصلاً كما خُطط لها، وأن هناك اختلالات عميقة لم تجرؤ التقارير على ذكرها. وأمام هذه الصدمة، تنشأ آلية دفاعية غير واعية لدى المسؤول: الابتعاد عن الضجيج الميداني اليومي، والاكتفاء بالورق المرفوع، والانشغال بخطط السنوات المقبلة، بدلاً من مواجهة المشكلات الحية التي تتشكل والمنظمة غارقة فيها الآن.
لكن الحقيقة الإدارية الثابتة التي لا ينبغي لأي مسيّر إغفالها هي أن: الاستراتيجية ليست بديلاً عن الواقع؛ بل وُضعت أصلًا لفهم الواقع، ومعالجة اختلالاته، وصناعة مستقبله.
فإذا انفصلت الاستراتيجية عن الميدان، تحولت الخطة من أداة حيوية للتغيير إلى مجرد تصور نظري لا قيمة له؛ لأن المؤسسة لا تُدار بما تقوله الأوراق والتقارير المرفوعة وحدها، وإنما بما يحدث فعلاً في مواقع العمل الحية. وهنا تبرز الأسئلة الجوهرية التي تستحق أن يطرحها كل مسؤول على نفسه قبل فوات الأوان:
- كيف نوازن بين الرؤية الاستراتيجية ومتطلبات التنفيذ الميداني؟
- كيف نقرأ الواقع ونفهمه جيداً قبل أن نرسم ملامح المستقبل؟
- كيف نضمن وصول المعلومة الصادقة دون أن تفقد حقيقتها أثناء صعودها في الهرم الإداري؟
- وكيف نتجنب اتخاذ قرارات تبدو منطقية جداً على الورق، لكنها لا تصمد للحظة واحدة أمام اختبار الميدان؟
فالقائد الحقيقي لا يكتفي أبداً بأن يرى الصورة من الأعلى؛ بل هو من يعرف كيف ينزل إلى أرض الواقع ليتأكد بنفسه من أن الصورة التي يستند إليها في قراره هي الصورة الحقيقية الشاملة.



إرسال التعليق