عقوبة الجنود في حالة ايذاء النفس عمدا للفرار من الخدمة
محمود سامر
تُعتبر جريمة “تعمد إيذاء النفس” (أو ما يُعرف قانونياً بـ التشويه الذاتي أو الإعاقة العمدية) من أشد الجرائم انضباطاً في التشريعات العسكرية عبر العالم (بما فيها قانون القضاء العسكري الجزائري والمقارن)؛ وذلك لأنها تُعدّ شكلاً من أشكال التهرب من الواجب الوطني والخدمة العسكرية، وإضعافاً للروح المعنوية والجاهزية القتالية للجيش.
تختلف العقوبة بشكل جذري بحسب الظروف الفردية، وأبرزها التمييز بين زمن السلم وزمن الحرب أو أوقات الاستنفار.
- عقوبة تعمد إيذاء النفس في “زمن السلم”
في الظروف العادية (السلم)، يُعامل الفعل كجناية أو جنحة خيانة للواجب والانضباط العسكري:
العقوبة السلبية للحرية: التجريد من الرتبة العسكرية، والسجن مع النفاذ لفترة تتراوح عادة بين سنتين (2) إلى 5 سنوات (وفي بعض القوانين العسكرية تصل إلى 10 سنوات إذا أدت الإصابة إلى إعاقة دائمة أو دُبرت بالتواطؤ مع شخص آخر أو طبيب).
العقوبات التبعية والأدبية:
الطرد التعسفي والطبقي: الطرد من صفوف القوات المسلحة مع الحرمان من الحقوق التقاعدية والتعويضات المالية أو مكافأة نهاية الخدمة.
الحرمان من الحقوق المدنية: قد تشمل الحرمان من التوظيف في القطاع الحكومي أو ممارسة بعض الحقوق السياسية والمدنية بعد انقضاء فترة السجن.
تحميل التكاليف: إلزام الجندي بدفع كافة مصاريف العلاج والاستشفاء التي تكبدتها المؤسسة العسكرية لعلاجه.
- عقوبة تعمد إيذاء النفس في “زمن الحرب” (أو في الجبهة والمناطق المحاصرة)
تتضاعف العقوبة في حالات الحرب، الاستنفار، العمليات العسكرية، أو أثناء التواجد في منطقة تتواجه فيها القوات مع العدو، حيث يُكيف الفعل على أنه “فرار من الخدمة بأسلوب الخداع” أو “تسهيل الفشل أمام العدو”:
العقوبة الأصلية: تصل العقوبة إلى السجن المؤبد وفي العديد من التشريعات العسكرية الصارمة تكون العقوبة هي الإعدام (رمياً بالرصاص)، خاصة إذا أدت الجريمة إلى كشف مواقع القوة، أو شل حركة الوحدة العسكرية، أو إحداث حالة من الهلع والعدوى النفسية بين الجنود على الخطوط الأمامية.
الظروف المشددة:
إذا اتحد الجندي مع آخرين لاتخاذ هذا القرار (المؤامرة العسكرية).
إذا استخدم أسلحة أو معدات عسكرية مملوكة للجيش لإيذاء نفسه.
إذا أدى الإيذاء إلى التسبب في كشف أسرار عسكرية أو سقوط موقع أثناء انشغال الوحدة بإسعافه.
- أشكال ونماذج الإيذاء الذاتي التي يحاسب عليها القانون العسكري
لا تقتصر الجريمة على إطلاق النار المباشر على الأطراف (مثل اليد أو القدم)، بل تمتد قانوناً لتشمل:
الإيذاء الجسدي المباشر: إحداث جروح، بتل أصابع، أو استخدام أسلحة نارية/بيلوجية.
التمارض الخادع (Malingering): ادعاء أمراض أو اضطرابات عقلية ونفسية مزيفة لتضليل اللجان الطبية العسكرية.
التعمد البيولوجي أو الكيميائي: تناول مواد سامة، أو تناول عقاقير تسبب الفشل العضوي، أو التعمد المباشر لنقل أمراض معدية وخطيرة إلى الجسد لإجبار اللجنة الطبية على إصدار قرار “عدم اللياقة البدنية”.
الخلاصة
تتعامل المحاكم العسكرية مع الإيذاء الذاتي ليس كـ “حرية شخصية في الجسد”، بل كـ “تخريب لملكية الدولة ووسائل الدفاع الوطني”؛ فالجندي يُعدّ جزءاً من القوة القتالية للبلاد، وإلحاق الضرر بنفسه عمداً يُعد قانوناً اعتداءً مباشرًا على القدرة الدفاعية للأمة، وهو ما يجعل العقوبات فيها تشمل الطرد والسجن المشدد وتصل إلى الإعدام في زمن الحروب.



إرسال التعليق